مِنْهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَعَلَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، لَكِنْ صَرَخَتْ جَارِيَةٌ مِنْ فَوْقِ الْقَصْرِ تَنْدُبُ مُسَيْلِمَةَ، فَقَالَتْ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمُرَ مَسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، يَوْمَ قُتِلَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَهُوَ مِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ." [1] "
وفي إقرار الصحابة لهذا الفعل دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة.
بعدما أثبتنا من خلال الأدلة السابقة في الفصل المتقدم جواز الاقتحام على العدو منفردًا والهجوم عليه مع تيقن الموت، فإننا نقول: إن العمليات الاستشهادية متفرعة عن هذا الأصل، وجوازها يتضح مما سبق من الأدلة، بعد معرفة مناط تحريم قتل النفس المقصور على نقص الإيمان أو انتفائه، إلا أن السلف رحمهم الله لم يعرفوا العمليات الاستشهادية بصورتها الحالية، لتجدد أساليب القتال لذا لم يبحثوها بعينها،،ولكنهم بحثوا أشباهها من المسائل كالهجوم منفردًا للنكاية في العدو وإرهابهم مع تيقن الموت، وقعّدوا قواعد تدخل تحتها العمليات الاستشهادية وغيرها، ومستندهم في أقوالهم ما عرضناه في الفصل السابق من أدلة.
إذًا فأصل هذه المسألة هو الانغماس منفردًا أو مع جماعة قليلة في جيش العدو، رغم التيقن بالموت المحقق، إلا أن الفارق بين الانغماس والعملية الاستشهادية هو أن المنغمس في صف العدو يقتل بيد العدو والفدائي يقتل بيده، وهذا الفارق ليس له أثر في الحكم على المسألة، وسنبين ذلك فيما بعد.
وفي هذا المبحث سننقل لمريد الحق بعض أقوال السلف حول المسألة التي تتفرع عنها العمليات الاستشهادية، وسننقل أيضًا بعض تعليقات العلماء على بعض الأدلة التي مضت، ومنعًا للتكرار فإننا سننقل كلام العلماء، وما كان من أقوالهم فيه من الأدلة ما
(1) - البداية والنهاية ط هجر (9/ 333)