وعَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [1] .
هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ بَاقٍ لاَ يَنْقَطِعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ [2] .
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل فَقَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَادِرًا عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَخَفِ الْفِتْنَةَ فِي الدِّينِ، فَالْهِجْرَةُ فِي حَقِّهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِئَلاَّ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْكُفَّارِ، وَلِيَتَخَلَّصَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ، وَلِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَمِيل إِلَيْهِمْ أَوْ يَكِيدُوا لَهُ، وَلِيُكَثِّرَ الْمُسْلِمِينَ وَيُعِينَهُمْ بِهِجْرَتِهِ إِلَيْهِمْ [3] .أَمَّا عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَلإِِمْكَانِهِ إِقَامَةَ وَاجِبِ دِينِهِ بِدُونِ الْهِجْرَةِ [4] .قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ فُتِنَ عَنْ دِينِهِ بِالْبَلَدِ الَّذِي يُسْلِمُ بِهَا؛ لأَِنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِقَوْمٍ بِمَكَّةَ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ؛ مِنْهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَغَيْرُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ إِذْ لَمْ يَخَافُوا الْفِتْنَةَ [5] .وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ لاَ يَأْمَنُ عَلَى دِينِهِ فِي دَارِهِمْ [6] .
غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِمْ بِالاِسْتِحْبَابِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثَلاَثَ صُوَرٍ:
الأُْولَى: أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ رَجَا ظُهُورَ الإِْسْلاَمِ بِمُقَامِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ كَانَ مُقَامُهُ فِيهَا أَفْضَل.
(1) - صحيح البخاري (8/ 102) (6484)
(2) - الْمُبْدِع لاِبْن مُفْلِح 3/ 314، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 8/ 456 ط الرِّيَاض
(3) - رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10/ 282، والمهذب 2/ 228، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2/ 94، وكشاف الْقِنَاع 3/ 38، والمبدع 3/ 314، والمحرر 2/ 170، والهداية لأَِبِي الْخَطَّاب 1/ 112، ومجموع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ 28/ 240، ونهاية الْمُحْتَاج 8/ 77 وَمَا بَعْدَهَا، وأسنى الْمَطَالِب 4/ 204
(4) - الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 8/ 457 ط الرِّيَاض، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 269
(5) - الأُْمّ 4/ 84، وأحكام الْقُرْآن لِلشَّافِعِيِّ 2/ 17، 18
(6) - فَتْح الْبَارِي 6/ 39 ط السَّلَفِيَّة