فهرس الكتاب

الصفحة 1986 من 3472

وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ: اقْتَصِدْ فِي مِزَاحِك فَإِنَّ الْإِفْرَاطَ فِيهِ يُذْهِبُ الْبَهَاءَ، وَيُجَرِّئُ عَلَيْك السُّفَهَاءَ، وَإِنَّ التَّقْصِيرَ فِيهِ يَفُضُّ عَنْك الْمُؤَانِسِينَ، وَيُوحِشُ مِنْك الْمُصَاحِبِينَ. وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْفِيَ بِالْمِزَاحِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ سَأَمٍ، وَأَحْدَثَ بِهِ مِنْ هَمٍّ] [1] .

9 = كظم الغيظ:

وهو من صور كف الأذى عن الناس، قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] ،وهذا من صفات المتقين.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» [2] .

وعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ وَهُوَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وَأَقْلِلْ لَعَلِّي لَا أُغْفِلُهُ، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» فَعَادَ لَهُ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ» [3]

قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ صُورَةً وَسُرَّةً حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْبَاطِلِ وَيَفْعَلَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَيَنْوِيَ الْحِقْدَ وَالْبُغْضَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي كُلُّهَا مِنْ أَثَرِ سُوءِ الْخُلُقِ، بَلْ قَدْ يَكْفُرُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَعَ إِلْحَاحِ السَّائِلِ مُرِيدًا لِلزِّيَادَةِ أَوِ التَّبْدِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: حَسِّنْ خُلُقَكَ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَالْحَدِيثُ مِنْ بَدَائِعِ الْكَلِمِ، ثُمَّ عِلَاجُهُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِأَنْ يَرَى الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وَيُذَكِّرَ نَفْسَهُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفَضْلَهُ أَكْثَرُ، وَكَمْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، وَيَتَعَوَّذَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَشْغَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ كَانَ - صلى الله عليه وسلم - مُكَاشِفًا بِأَوْضَاعِ الْخَلْقِ عَارِفًا بِأَدْوَائِهِمْ يَضَعُ الْهَنَا مَوْضِعَ النَّقْبِ يَأْمُرُهُمْ بِمَا هُوَ أَوْلَى

(1) - أدب الدنيا والدين (ص:310)

(2) - صحيح البخاري (8/ 28) (6116)

(رجلا) هو جارية بن قدامة رضي الله عنه. (مرارا) كرر طلبه للوصية مرات]

(3) - صحيح ابن حبان - مخرجا (12/ 502) (5689) صحيح

قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قَوْلُهُ صفر» لَا تَغْضَبْ «أَرَادَ بِهِ أَنْ لَا تَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْغَضَبِ مِمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ، إِذِ الْغَضَبُ شَيْءٌ جِبِلَّةٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَمُحَالٌ أَنْ يُنْهَى الْمَرْءُ عَنْ جِبِلَّتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، بَلْ وَقَعَ النَّهْيُ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَمَّا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْغَضَبِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ» .صحيح ابن حبان - مخرجا (12/ 504)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت