الباب الخامس والثلاثون
شبهات حول الجهاد اليوم وردها
"لتفهم مراد الإمام العز بن عبد السلام لابد من نقل الكلام كاملًا دون تحريف ولا نقص أو زيادة لتفهم المسألة التي يقررها، ولا يجوز إخراج كلامه عن مراده، وإنزاله في غير ما قيل، فهو يقرر مسألة خاصة فكيف يبتر نصه ليوضع في سياق آخر يفيد خلاف ذلك وإليك كلامه:"
قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام في مصالح الأنام: الْمِثَالُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: التَّقْرِيرُ عَلَى الْمَعَاصِي كُلِّهَا مَفْسَدَةٌ لَكِنْ يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ إنْكَارِهَا بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِهَا مَصْلَحَةِ إعْزَازِ الدِّينِ بِالنِّكَايَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ النِّكَايَةُ وَجَبَ الِانْهِزَامُ لِمَا فِي الثُّبُوتِ مِنْ فَوَاتِ النُّفُوسِ مَعَ شِفَاءِ صُدُورِ الْكُفَّارِ وَإِرْغَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ صَارَ الثُّبُوتُ هَهُنَا مَفْسَدَةً مَحْضَةً لَيْسَ فِي طَيِّهَا مَصْلَحَةٌ. [1]
فمن قرأ كلام العز كاملًا علم أن الإمام لا يتحدث عما أرادوا من تعطيل جهاد الدفع أو تقييده، ولكن سياق كلامه يتحدث عن مسألة التولي يوم الزحف فقط، والتولي أيضًا يكون في جهاد الطلب لا في جهاد الدفع، لأن جهاد الدفع قد قدمنا أنه لا يشترط له شرط أبدًا وهذا موطن اتفاق بين العلماء وسيأتي كلام شيخ الإسلام على هذا، علمًا أن مسألة الانهزام من أمام العدو إذا بلغ العدو ضعف المسلمين ليست مسألة متفقًا عليها بين العلماء، بل هناك من قال بخلاف ما قاله العز في هذه المسألة، فالعز يوجب الفرار إذا كان العدو ضعفهم، إلا أن بعض العلماء لا يوجب ذلك بل يجيز البقاء أو الفرار، والبعض
(1) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 110)