وأمّا الْآيات الدّالّة على أنّ اتّباع تشْريع غيْر اللّه الْمذْكور كفْرٌ، فهي كثيرةٌ جدًّا، كقوْله - تعالى:إنّما سلْطانه على الّذين يتولّوْنه والّذين همْ به مشْركون [16\ 100] .وقوْله - تعالى:وإنْ أطعْتموهمْ إنّكمْ لمشْركون [16\ 121] .وقوْله - تعالى:ألمْ أعْهدْ إليْكمْ يابني آدم أنْ لا تعْبدوا الشّيْطان الْآية [36\ 60] .والْآيات بمثْل ذلك كثيرةٌ جدًّا، كما تقدّم إيضاحه في «الْكهْف» [1] .
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {وكذلك جعلْناكمْ أمّةً وسطًا لّتكونواْ شهداء على النّاس ويكون الرّسول عليْكمْ شهيدًا وما جعلْنا الْقبْلة الّتي كنت عليْها إلاّ لنعْلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيْه وإن كانتْ لكبيرةً إلاّ على الّذين هدى اللّه وما كان اللّه ليضيع إيمانكمْ إنّ اللّه بالنّاس لرؤوفٌ رّحيمٌ} (143) سورة البقرة
كان النّاس، قبْل الإسْلام، فئتين:
-فئةً مادّيّةً لا همّ لها إلاّ تحْقيق ما يتطلّبه الجسد ولذائذه كالمشْركين واليهود، وقالوا إنْ هي إلاّ حياتنا الدّنيا، وما يهْلكنا إلاّ الدّهر.
وفئةً طغتْ عليها النّزعة الرّوحانيّة الخالصة، وسيْطرتْ عليها فكْرة ترْك الدّنيا وما فيها من اللّذائذ الجسديّة كالنّصارى والصابئة وبعْض طوائف الهنود.
فجاء الإسلام ليجْعل المسْلمين وسطًا بيْن هؤلاء وهؤلاء، فقال بتحقيق مطالب الجسد بلا إسْرافٍ ولا مبالغةٍ، مع المحافظة على السموّ الرّوحيّ، لأنّ الإنسان جسدٌ وروحٌ.
وقدْ جعل الله المسْلمين أمّةً وسطًا ليكونوا شهداء على الماديّين الذين فرّطوا في جنْب الله، وأخلدوا إلى اللّذات، وصرفوا أنفسهمْ عنْ قضايا الرّوح، وشهداء على الغلاة في الرّوحانيّة الذين قالوا بتخلّي الإنسان عن اللّذات الجسديّة، وبحرْمان النّفْس منْ جميع ما أعدّ الله لهمْ في هذه الحياة الدّنيا.
(1) - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7/ 47)