ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِ المُهَاجِرَاتِ مِنْكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الحُكْمَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ:
فَقَالَ: أَعطُوا أَزْوَاجَ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ مِنَ الكُفَّارِ مِثْلَ مَا دَفَعُوا مِنَ المُهُورِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الرِّجَالِ المُؤْمِنينَ فِي أَنْ يَنْكِحُوا هَؤُلاَءِ المُهَاجِرَاتِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَهَّدُوا بِأَنْ يُؤَدُّوا إِليهِنَّ مُهُورَهُنَّ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكَاتِ، وَلاَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِعَقْدِ زَوْجِيَّةِ الكَافِرَاتِ البَاقِيَاتِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، وَإِذَا لَحِقَتْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ بِالكُفَّارِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ - فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْأَلُوا الكُفَّارَ مَهْرَهَا الذِي دَفَعَةُ زَوْجُهَا المُسْلِمُ، وَلْيَسْأَلْكُمُ الكُفَّارُ دَفْعَ مُهُورِ نِسَائِهِمْ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ. وَذَلِكَ الذِي ذُكِرَ هُوَ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فَاتَّبِعُوهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ فَلاَ يَشْرَعُ إِلاَّ مَا فِيهِ الحِكْمَةُ. [1]
بَيْنَ الزَّوْجَاتِ - وَلَوْ مُخْتَلِفَاتٍ فِي الدِّينِ - وَاجِبٌ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَسَمَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَسَمَ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، فَاسْتَوَتْ فِيهِ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ، كَالنَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَهَذَا عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ. [2]
حُكْمُ التَّعَامُل مَعَ أَهْل الْكِتَابِ:
التَّعَامُل مَعَ أَهْل الْكِتَابِ جَائِزٌ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُرْدَيْنِ قِطْرِيَّيْنِ، فَكَانَ إِذَا جَلَسَ فَعَرِقَ فِيهِمَا ثَقُلَا عَلَيْهِ، وَقَدِمَ لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ بَزٌّ مِنَ الشَّأْمِ، فَقُلْتُ: لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ؟،فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالِي، أَوْ يَذْهَبَ بِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ، وَآدَاهُمْ لِلْأَمَانَةِ» [3]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5038، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - ابن عابدين 2/ 400، والشرح الكبير 2/ 339، والمهذب 2/ 68، والمغني 7/ 36.
(3) - السنن الكبرى للنسائي (6/ 65) (6179) صحيح
قال السندي: قولها: إلى الميسرة: لعلها كانت متوقعة إلى أجل معلوم، وإلا، فجهالة الأجل مُفسدة عند أهل العلم. قلنا: وقولها: قِطْريان -بكسر القاف- هو ضرب من البرود، فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حُلَلٌ جِياد، تُحمل من قِبل البحرين، وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية، يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخفَّفُوا. قاله ابن الأثير في"النهاية".