وعنْ أبي ذرٍّ، أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ليْس منْ رجلٍ ادّعى لغيْر أبيه وهو يعْلمه إلّا كفر، ومن ادّعى ما ليْس له فليْس منّا، ولْيتبوّأْ مقْعده من النّار، ومنْ دعا رجلًا بالْكفْر، أوْ قال: عدوّ الله وليْس كذلك إلّا حار عليْه" [1]
لا ينْبغي أنْ يكفّر مسْلمٌ أمْكن حمْل كلامه على محْملٍ حسنٍ، أوْ كان في كفْره خلافٌ ولوْ كان روايةً ضعيفةً [2] .ما يشكّ في أنّه كفْرٌ لا يحْكم به، فإنّ الْمسْلم لا يخْرجه من الإْيمان إلاّ جحود ما أدْخله فيه، إذ الإْسْلام الثّابت لا يزول بالشّكّ مع أنّ الإْسْلام يعْلو، فإنْ كان في الْمسْألة وجوهٌ توجب التّكْفير ووجْهٌ واحدٌ يمْنعه فعلى الْمفْتي أنْ يميل إلى الْوجْه الّذي يمْنع التّكْفير؛ لعظم خطره وتحْسينًا للظّنّ بالْمسْلم، ولأنّ الْكفْر نهايةٌ في الْعقوبة فيسْتدْعي نهايةً في الْجناية، ومع الشّكّ والاحْتمال لا نهاية [3] .
متى يحْكم بالْكفْر:
يشْترط في تكْفير الْمسْلم أنْ يكون مكلّفًا مخْتارًا عنْد صدور ما هو مكفّرٌ منْه، فلا يصحّ تكْفير صبيٍّ ومجْنونٍ، ولا منْ زال عقْله بنوْمٍ أوْ إغْماءٍ، لعدم تكْليفهمْ، فلا اعْتداد بقوْلهمْ واعْتقادهمْ.
وكذلك لا يجوز تكْفير مكْرهٍ على الْكفْر وقلْبه مطْمئنٌّ بالإْيمان، قال تعالى: {منْ كفر باللّه منْ بعْد إيمانه إلّا منْ أكْره وقلْبه مطْمئنٌّ بالْإيمان ولكنْ منْ شرح بالْكفْر صدْرًا فعليْهمْ غضبٌ من اللّه ولهمْ عذابٌ عظيمٌ} [النحل:106] .
وجرى الْخلاف بيْن الْفقهاء في صحّة تكْفير الصّبيّ الْمميّز والسّكْران إذا صدر منْهما ما هو مكفّرٌ.
(1) - صحيح مسلم (1/ 79) 112 - (61)
[ش (ليس من رجل ادعى لغير أبيه) فيه تأويلان أحدهما أنه في حق المستحيل والثاني كفر النعمة والإحسان وحق الله تعالى وحق أبيه وليس المراد الكفر الذي يخرجه من ملة الإسلام والتعبير بالرجل جري مجري الغالب وإلا فالمرأة كذلك (حار عليه) باء ورجع وحار بمعنى واحد]
(2) - حاشية ابن عابدين 3/ 289.
(3) - حاشية ابن عابدين 3/ 285.