يتقاعس عنها أو يحيد؟! وهنا يعن للنفس خاطر أمام هذا الترغيب والتحبيب .. إن المؤمن الذي يدرك حقيقة التصور الإيماني للكون والحياة ويعيش بقلبه في هذا التصور ويطلع على آفاقه وآماده ثم ينظر للحياة بغير إيمان، في حدودها الضيقة الصغيرة، وفي مستوياتها الهابطة الواطية، وفي اهتماماتها الهزيلة الزهيدة .. هذا القلب لا يطيق أن يعيش لحظة واحدة بغير ذلك الإيمان، ولا يتردد لحظه واحدة في الجهاد لتحقيق ذلك التصور الضخم الوسيع الرفيع في عالم الواقع، ليعيش فيه، وليرى الناس من حوله يعيشون فيه كذلك .. ولعله لا يطلب على جهاده هذا أجرا خارجا عن ذاته. فهو ذاته أجر .. هذا الجهاد .. وما يسكبه في القلب من رضى وارتياح. ثم إنه لا يطيق أن يعيش في عالم بلا إيمان. ولا يطيق أن يقعد بلا جهاد لتحقيق عالم يسوده الإيمان. فهو مدفوع دفعا إلى الجهاد. كائنا مصيره فيه ما يكون .. [1]
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (218) سورة البقرة
إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَبِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} [البقرة:218] الَّذِينَ هَجَرُوا مُسَاكَنَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَمْصَارِهِمْ، وَمُجَاوَرَتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ، فَتَحَوَّلُوا عَنْهُمْ، وَعَنْ جِوَارِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا، هِجْرَةً .. لَمَّا انْتَقِلْ عَنْهُ إِلَى مَا انْتَقِلْ إِلَيْهِ. وَأَصْلُ الْمُهَاجَرَةِ الْمُفَاعَلَةُ، مِنْ هِجْرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ لِلشَّحْنَاءِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَنْ هَجَرَ شَيْئًا لِأَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْهُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مُهَاجِرِينَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ هِجْرَتِهِمْ دُورِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ كَرَاهَةً مِنْهُمُ النُّزُولَ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَفِي سُلْطَانِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَأْمَنُونَ فِتْنَتَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي دِيَارِهِمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَأْمَنُونَ ذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَجَاهَدُوا} [البقرة:218] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَقَاتَلُوا، وَحَارَبُوا وَأَصْلُ الْمُجَاهَدَةُ الْمُفَاعَلَةُ، مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ: قَدْ جَهَدَ فُلَانٌ فُلَانًا عَلَى كَذَا، إِذَا كَرَبَهُ وَشَقَّ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4447)