يَرِثُ أَيْضًا، وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَمُعَاوِيَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَمَسْرُوقٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْكُفَّارِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» .وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، وَالْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ فَضْلُ الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمِيرَاثِ فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الصَّرِيحُ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يَرِثُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُرْتَدِّ فَفِيهِ أَيْضًا الْخِلَافُ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ:مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مُوَطَّئِهِ: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَالْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَارَثُونَ بِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَ الْيَهُودِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا" [1] "
ووصيّة الْمرْتدّ باطلةٌ لأنّها من الْقرب وهي تبْطل بالرّدّة [2] .
قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217]
يُهَدِّدُ اللهُ مِنْ يَضْعُفُ مِنَ المُسْلِمِينَ أَمَامَ هَجَمَاتِهِمْ، وَمُحَاوَلاتِهِمْ وَإِغْراءَاتِهِمْ فَيَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهُوَ كَافِرٌ، بِالعَذَابِ الأَلِيمِ الأَبَدِيِّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَبِحُبُوطِ عَمَلِهِ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. [3]
قال الأْلوسيّ:"والظاهر أنه حمل ما كانُوا يَعْمَلُونَ على معنى ما صَنَعُوا والبطلان على عدم النفع وهو راجع إلى معنى الحبوط." [4]
وقال الرازي:"أَمَّا الْبَحْثُ الْفُرُوعِيُّ: فَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَلَّى ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا"
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2022)
(2) - المبسوط لمحمد 142، والمغني 8/ 546، والشامل لبهرام 2/ 171، والخرشي 8/ 68.
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:224، بترقيم الشاملة آليا)
(4) - تفسير الألوسي = روح المعاني (6/ 226)