[إقْلِيم مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَجَمَ الْكَافِرُ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَخَذَهَا وَتَمَلَّكَ بِهَا]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَسَائِلُ الْجِهَادِ
(مَا قَوْلُكُمْ) فِي إقْلِيمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَجَمَ الْكَافِرُ الْعَدُوُّ عَلَى بِلَادِهِمْ وَأَخَذَهَا وَتَمَلَّكَ بِهَا وَبَقِيَتْ جِبَالٌ فِي طَرَفِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَصِلْهَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَهِيَ مَحْرُوسَةٌ بِأَهْلِهَا وَهَاجَرَ إلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْمَذْكُورِ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَبَقِيَ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ حُكْمِ الْكَافِرِ وَفِي رَعِيَّتِهِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا يُشْبِهُ الْجِزْيَةَ الْمَعْلُومَةَ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، وَفِيمَنْ هَاجَرَ بَعْضٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَفِيمَنْ بَقِيَ بَعْضٌ كَذَلِكَ فَصَارَ التَّشَاجُرُ بَيْنَ فَرِيقَيْ الْعُلَمَاءِ، فَمَنْ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْجِبَالِ الْمَذْكُورَةِ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ وَيُفْتِي بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهِجْرَةِ يُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَسَبْيُ أَهْلِهِ وَذَرَارِيِّهِ مُسْتَدِلًّا هَذَا الْقَائِلُ بِأَنَّ مَنْ بَقِيَ مَعَهُ صَارَ مُعِينًا لَهُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنَهْبِ أَمْوَالِهِمْ وَسَاعِيًا فِي غَلَبَةِ الْكَافِرِ عَلَيْهِمْ وَبِأَدِلَّةٍ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ بَقِيَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي جُمْلَةِ مَنْ بَقِيَ تَحْتَ الْكَافِرِ، وَلَمْ يُهَاجِرْ يَقُولُ: الْهِجْرَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَيَسْتَدِلُّ بِدَلَائِلَ مِنْ جُمْلَتِهَا قَوْله تَعَالَى {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آل عمران:28] وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَأَفِيدُوا الْجَوَابَ الْوَافِيَ بِالدَّلِيلِ الشَّافِي الَّذِي لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَكُمْ الثَّوَابُ مِنْ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ.
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فِي الْمِعْيَارِ إنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضِ الْحَرَامِ وَالْبَاطِلِ بِظَنٍّ، أَوْ فِتْنَةٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْمُوَطَّأُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ [1] ،وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ فِي مَوْضِعٍ يُعْمَلُ فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [2]
(1) - صحيح البخاري (1/ 13) (19) والمسند الجامع (6/ 517) (4710)
[ش (يوشك) يقرب. (غنم) اسم جنس يقع على الذكور والإناث جميعا وعلى الذكور وحدها والإناث وحدها. (شغف الجبال) رؤوس الجبال والمفرد شعفة. (مواقع القطر) مواضع نزول المطر. (يفر بدينه من الفتن) يهرب خوفا من أن يفتن في دينه ويخوض في الفساد مع الخائضين]
("غَنَمٌ") أَيْ: قِطْعَةٌ مِنَ الْغَنَمِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: غَنَمٌ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وَهُوَ اسْمٌ يَكُونُ، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ:"خَيْرَ مَالِ"مُعَرَّفٌ، فَلَا يَجُوزُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمُسْلِمِ الْجِنْسُ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ حِينَئِذٍ، وَفَائِدَةُ التَّقْدِيمِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ حِينَئِذٍ الِاعْتِزَالُ وَتَحَرِّي الْخَبَرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ اهـ. وَقِيلَ: (يَجُوزُ رَفْعُ"خَيْرُ، وَغَنَمٌ"عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ فِي"يَكُونَ"ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَذَا الْمَفَاتِيحُ("يَتَّبِعُ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِسُكُونِهَا وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: يَتَتَبَّعُ ("بِهَا") أَيْ: مَعَ الْغَنَمِ أَوْ بِسَبَبِهَا ("شَعَفَ الْجِبَالِ") بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ أَيْ: رُؤُوسِ الْجِبَالِ أَوْ أَعَالِيهَا، وَأَحَدُهَا شَعَفَةٌ ("وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ") بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مَوَاضِعَ الْمَطَرِ وَآثَارَهُ مِنَ النَّبَاتِ وَأَوْرَاقَ الشَّجَرِ، يُرِيدُ بِهَا الْمَرْعَى مِنَ الصَّحْرَاءِ وَالْجِبَالِ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وَفِي تَقْدِيمِ شَعَفِ الْجِبَالِ إِشْعَارٌ بِالْمُبَالَغَةِ فِي فَضِيلَةِ الِاعْتِزَالِ عَنِ الْخَلْقِ فِي تِلْكَ الْحَالِ. ("يَفِرُّ بِدِينِهِ") أَيْ: بِسَبَبِ حِفْظِهِ مِنَ الْفِتَنِ أَيِ الْمِحَنِ الدِّينِيَّةِ، أَوْ يَهْرُبُ ("مِنَ الْفِتَنِ") الدُّنْيَوِيَّةِ مَصْحُوبًا بِدِينِهِ لِيَتَخَلَّصَ بِإِقَامَتِهِ هُنَاكَ عَنْهَا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3386)
(2) - أَلْحَقَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ فِي الْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ فِي إِقَامَتِهِ بِهَا دَارَ الْبُغَاةِ وَدَارَ الْبِدْعَةِ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ أَرْضِ الْحَرَامِ وَالْبَاطِل بِظُلْمٍ أَوْ فِتْنَةٍ فَرِيضَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَال الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَال وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ، وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: لاَ يُقِيمُ أَحَدٌ فِي مَوْضِعٍ يُعْمَل فِيهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَإِنْ قِيل: فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ بَلَدٌ إِلاَّ كَذَلِكَ؟ قُلْنَا: يَخْتَارُ الْمَرْءُ أَقَلَّهَا إِثْمًا، مِثْل أَنْ يَكُونَ بَلَدٌ بِهِ كُفْرٌ، فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ خَيْرٌ مِنْهُ، أَوْ بَلَدٌ فِيهِ عَدْلٌ وَحَرَامٌ، فَبَلَدٌ فِيهِ جَوْرٌ وَحَلاَلٌ خَيْرٌ مِنْهُ لِلْمُقَامِ، أَوْ بَلَدٌ فِيهِ مَعَاصٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ بَلَدٍ فِيهِ مَعَاصٍ فِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ. الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (42/ 190)