أَنْ لَا نُعْطِيَ أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَلْفِي يَبْتَسِمُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ آخُذَهُ».
ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ لَكَانَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نَا عَلِيُّ بْنُ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ نَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ فَعَجَّلُوا فَذَبَحُوا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَّمَ فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنْ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ» فَلَمْ يُبِحْ لَهُمْ أَكْلَ شَيْءٍ إذْ قَدْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ قَدْ حَضَرَتْ فَيَصِلُ كُلُّ ذِي حَقٍّ إلَى حَقِّهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَغَنِمَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ كَانَ وَحْدَهُ أَوْ فِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَبِغَيْرِ إذْنِهِ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَالْخُمْسُ فِيمَا أُصِيبَ، وَالْبَاقِي لِمَنْ غَنِمَهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال:41] ،وقَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} [الأنفال:69] .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا خُمُسَ إلَّا فِيمَا أَصَابَتْهُ جَمَاعَةٌ.
قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تِسْعَةٌ فَأَكْثَرُ - وَهَذِهِ أَقْوَالٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِمُخَالَفَتِهَا الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ، وَالْمَعْقُولَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة:123] فَلَمْ يَخُصَّ بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَلَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَوْ أَنَّ إمَامًا نَهَى عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ لَوَجَبَتْ مَعْصِيَتُهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ} [النساء:84] وَهَذَا خِطَابٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَكُلُّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِالْجِهَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَقَالَ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة:41] ،وَقَالَ تَعَالَى: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء:71] . [1]
(1) - المحلى بالآثار (5/ 418)