وهم يحسبون أنهم يكسبون بالتخلف ويربحون بالقعود ويجنون السلامة والراحة ويحتفظون بالعافية والمال .. ولكن الحقيقة أنهم دنس في الدنيا، وأنهم يضيعون نصيبهم في الآخرة. فهي الخسارة المطبقة بكل ألوانها وأشكالها .. ومن أصدق من اللّه حديثا؟.
ثم يمضي السياق ينبئ عما سيقع من هؤلاء القاعدين بعد عودة المجاهدين: «يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ. فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» ..
إنهم يطلبون ابتداء من المسلمين أن يعرضوا عن فعلتهم صفحا وعفوا. ثم يتدرجون من هذا إلى طلب رضى المسلمين عنهم ليضمنوا السلامة في المجتمع المسلم بهذا الرضى! ويضمنوا أن يظل المسلمون يعاملونهم بظاهر إسلامهم كما كانوا يعاملونهم ولا يجاهدونهم ويغلظون عليهم كما أمرهم اللّه في هذه السورة أن يفعلوا محددا بذلك العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين فيهم.
ولكن اللّه سبحانه يقرر أنهم فسقوا عن دين اللّه بهذا القعود الناشئ عن النفاق وأن اللّه لا يرضى عن القوم الفاسقين. حتى ولو استطاعوا أن يحلفوا ويعتذروا حتى يرضى عنهم المسلمون! .. وحكم اللّه فيهم هو الحكم. ورضا الناس - ولو كانوا هم المسلمين - في هذه الحالة لا يغير من غضب اللّه عليهم، ولا يجديهم فتيلا. إنما السبيل إلى إرضاء اللّه هو الرجوع عن هذا الفسق، والعودة إلى دين اللّه القويم! وهكذا كشف اللّه هؤلاء القاعدين - من غير عذر - في الجماعة المسلمة وقرر العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين. كما قررها من قبل بين المسلمين والمشركين، وبين المسلمين وأهل الكتاب. وكانت هذه السورة هي الحكم النهائي الأخير [1] .
ـــــــــــــــ
قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2309)