لِلَّهِ لَمْ تَكُنْ مَضَرَّةَ كُفْرِهِ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الدَّاعِيَةَ إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُعَاقَبُ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ السَّاكِتُ.
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: «إِنَّ الْخَطِيئَةَ إِذَا أُخْفِيتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا أَهْلَهَا، وَإِذَا أُظْهِرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ» [1] .
وَلِهَذَا أَوْجَبَتْ الشَّرِيعَةُ قِتَالَ الْكُفَّارِ وَلَمْ تُوجِبْ قَتْلَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ؛ بَلْ إذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْقِتَالِ أَوْ غَيْرِ الْقِتَالِ مِثْلَ أَنْ تُلْقِيَهُ السَّفِينَةُ إلَيْنَا أَوْ يَضِلَّ الطَّرِيقَ أَوْ يُؤْخَذَ بِحِيلَةِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِيهِ الْإِمَامُ الْأَصْلَحَ مِنْ قَتْلِهِ أَوْ اسْتِعْبَادَهُ أَوْ الْمَنَّ عَلَيْهِ أَوْ مُفَادَاتَهُ بِمَالِ أَوْ نَفْسٍ عِنْدِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى الْمَنَّ عَلَيْهِ وَمُفَادَاتَهُ مَنْسُوخًا. [2]
اخْتَلَفَتِ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي قَتْل الْقَرِيبِ أَثْنَاءَ الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْكُفَّارِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْفَرْعِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَتْل أَصْلِهِ الْمُشْرِكِ، بَل يَشْغَلُهُ بِالْمُحَارَبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] ،وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْيَاؤُهُ بِالإِنْفَاقِ عَلَيْهِ فَيُنَاقِضُهُ الإِطْلاَقُ فِي إِفْنَائِهِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل بِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ اقْتِحَامِهِ الْمَأْثَمَ. وَأَمَّا إِنْ قَصَدَ الأَبُ قَتْلَهُ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُ دَفْعَهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الدَّفْعُ وَهُوَ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهَرَ الأَبُ الْمُسْلِمُ سَيْفَهُ عَلَى ابْنِهِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، يَقْتُلُهُ، فَهَذَا أَوْلَى [3] .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا لِغَازٍ أَنْ يَقْتُل قَرِيبَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ، وَقَتْل قَرِيبٍ مَحْرَمٍ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم مَنَعَ أَبَا بَكْرٍ مِنْ قَتْل ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ أُحُدٍ. إِلاَّ أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ يَذْكُرَهُ أَوْ يَذْكُرَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَوْ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ بِسُوءٍ، فَإِذَا
(1) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 222) صحيح مقطوع
(2) - مجموع الفتاوى (28/ 353)
(3) - البدائع 7/ 101، وفتح القدير 5/ 203، وابن عابدين 3/ 225.