الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» (159:الأنعام) ومن معانى «الدّين» هنا، دين الله، وهو الإسلام .. والقيّمة: مذكّر القيّم، بمعنى المستقيم، كما يقول تعالى: «ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (36:التوبة) . [1]
وهذه هي قاعدة دين الله على الإطلاق: عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة: «وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» .. عقيدة خالصة في الضمير، وعبادة لله، تترجم عن هذه العقيدة، وإنفاق للمال في سبيل الله، وهو الزكاة .. فمن حقق هذه القواعد، فقد حقق الإيمان كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو في دين الله على الإطلاق. دين واحد. وعقيدة واحدة، تتوالى بها الرسالات، ويتوافى عليها الرسل .. دين لا غموض فيه ولا تعقيد. وعقيدة لا تدعو إلى تفرق ولا خلاف، وهي بهذه النصاعة، وبهذه البساطة، وبهذا التيسير. فأين هذا من تلك التصورات المعقدة، وذلك الجدل الكثير؟ [2]
ــــــــــ
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» [3]
("هَلْ تُنْصَرُونَ") أَيْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ ("وَتُرْزَقُونَ") أَيِ الْأَمْوَالَ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهَا (إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟") أَيْ: إِلَّا بِبَرَكَةِ وُجُودِ ضُعَفَائِكُمْ وَوُجُودِ فُقَرَائِكُمْ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأَقْطَابِ وَالْأَوْتَادِ لِثَبَاتِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ النَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَدَّرَ تَوْسِيعَ الرِّزْقِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِبَرَكَةِ الْفُقَرَاءِ، فَأَكْرِمُوهُمْ وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ سُلُوكِ الْمَحَبَّةِ عَلَى أَضْيَقِ الْمَحَجَّةِ، وَمُلُوكُ الْجَنَّةِ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَعَزَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ إِنَّ"
(1) - التفسير القرآني للقرآن (16/ 1643)
(2) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4910)
(3) - صحيح البخاري (4/ 36) (2896)
[ش (رأى) ظن. (فضلا) زيادة منزلة بسبب شجاعته وغناه ونحو ذلك. (بضعفائكم) ببركتهم ودعائهم لصفاء ضمائرهم وقلة تعلقهم بزخرف الدنيا فيغلب عليهم الإخلاص في العبادة ويستجاب دعاؤهم]