الباب الثلاثون
النصر آت آت بإذن الله
وجوب الثقة بوعد الله:
قال تعالى: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]
ولمّا رأى المؤْمنون الصّادقون في إيمانهم الأحزاب، يحْدقون بالمدينة، قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله منْ الابتلاء والاخْتبأر والامتحان بالشّدائد، الذي يعْقبه النّصْر القريب. وصدق الله ورسوله في النّصْر والثّواب، كما صدق الله ورسوله في الابتلاء والاخْتبار، وما زادهمْ ذلك إلا صبْرًا علضى البلاء، وتصْديقًا بتحْقيق ما وعدهمْ به الله ورسوله، وتسليمًا للقضاء [1] .
لما ذكر حالة المنافقين عند الخوف، ذكر حال المؤمنين فقال: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ} الذين تحزبوا، ونزلوا منازلهم، وانتهى الخوف، {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} في قوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} فإنا رأينا، ما أخبرنا به {وَمَا زَادَهُمْ} ذلك الأمر {إِلا إِيمَانًا} في قلوبهم {وَتَسْلِيمًا} في جوارحهم، وانقيادًا لأمر الله. [2]
هذه صورة من صور التأسّى برسول الله، يراها الذي ينظر إلى المؤمنين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. فهؤلاء المؤمنون حين رأوا الأحزاب لم يهنوا، ولم يضعفوا، ولم ترهبهم كثرة العدوّ، ولم يفزعهم الموت المطلّ عليهم من كل مكان .. فالموت في هذا الموطن هو أمنيتهم التي كانوا يتمنونها على الله، ويقدمونها ثمنا لإعزاز دين الله، وإعلاء كلمة الله .. ولهذا فإنهم حين رأوا الأحزاب، رأوا فيهم تحقيق ما وعدهم الله ورسوله به، من
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3436، بترقيم الشاملة آليا)
(2) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:661)