حال هؤلاء وتفْهيمًا {فلا وربّك لا يؤْمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بيْنهمْ ثمّ لا يجدوا في أنْفسهمْ حرجًا ممّا قضيْت ويسلّموا تسْليمًا} [النساء:65] . [1]
قال: وكذلك لا طاعة لجهلة الْملوك والْأمراء إلّا فيما يعْلم الْمأْمور أنّه مأْذونٌ في الشّرْع.
وتفرّد الْإله بالطّاعة لاخْتصاصه بنعم الْإنْشاء والْإبْقاء والتّغْذية والْإصْلاح الدّينيّ والدّنْيويّ، فما منْ خيْرٍ إلّا هو جالبه، وما منْ ضيْرٍ إلّا هو سالبه، وليْس بعْض الْعباد بأنْ يكون مطاعًا بأوْلى منْ الْبعْض، إذْ ليْس لأحدٍ منْهمْ إنْعامٌ بشيْءٍ ممّا ذكرْته في حقّ الْإله، وكذلك لا حكْم إلّا له فأحْكامه مسْتفادةٌ منْ الْكتاب والسّنّة والْإجْماع والْأقْيسة الصّحيحة والاسْتدْلالات الْمعْتبرة، فليْس لأحدٍ أنْ يسْتحْسن ولا أنْ يسْتعْمل مصْلحةً مرْسلةً، ولا أنْ يقلّد أحدًا لمْ يؤْمرْ بتقْليده: كالْمجْتهد في تقْليد الْمجْتهد أوْ في تقْليد الصّحابة وفي هذه الْمسائل اخْتلافٌ بيْن الْعلماء، ويردّ على منْ خالف في ذلك قوْله عزّ وجلّ: {إن الْحكْم إلا للّه أمر ألا تعْبدوا إلا إيّاه} [يوسف:40] . [2] .
5)ابن كثير رحمه الله:
قال:(فما حكم به كتاب اللّه وسنّة رسوله وشهدا له بالصّحّة فهو الْحقّ، وماذا بعْد الْحقّ إلّا الضّلال، ولهذا قال تعالى: {إنْ كنْتمْ تؤْمنون باللّه والْيوْم الآخر} أيْ: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب اللّه وسنّة رسوله، فتحاكموا إليْهما فيما شجر بيْنكمْ {إنْ كنْتمْ تؤْمنون باللّه والْيوْم الآخر} فدلّ على أنّ منْ لمْ يتحاكمْ في مجال النّزاع إلى الْكتاب والسّنّة ولا يرْجعْ إليْهما في ذلك، فليْس مؤْمنًا باللّه ولا بالْيوْم الْآخر. [3] .
6)ابن أبي العز الحنفي رحمه الله:
قال: (وهنا أمْرٌ يجب أنْ يتفطّن له، وهو: أنّ الْحكْم بغيْر ما أنْزل اللّه قدْ يكون كفْرًا ينْقل عن الْملّة، وقدْ يكون معْصيةً: كبيرةً أوْ صغيرةً، ويكون كفْرًا: إمّا مجازيًّا، وإمّا كفْرًا أصْغر، على الْقوْليْن الْمذْكوريْن. وذلك بحسب حال الْحاكم: فإنّه إن اعْتقد أنّ الْحكْم بما
(1) - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 360)
(2) - قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 158)
(3) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 345)