الباب الثاني والثلاثون
عقوبة ترك الجهاد في سبيل الله
الاستبدال بقوم غيركم (1) :
قال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]
إنّكمْ يا أيّها المسْلمون تدعون إلى الإنْفاق في سبيل الله، وفي سبيل مجاهدة أعْدائه، وفي سبيل نصْر دينه. ومن المؤمنين منْ يبْخل بالإنْفاق في هذا السّبيل، ومنْ يبْخلْ فإنّما يضرّ نفْسه بذلك، لأنّه يحرمها ثواب الله، ويحْرمها منْ رضْوان الله، والله غنيٌّ عن العباد، وعنْ أمْوالهم وعنْ جهادهمْ، وهم الفقراء إلى فضْله وإحْسانه، وإنما حثّهمْ على الجهاد والبذْل لينالوا الأجْر والمثوْبة.
ثمّ يقول تعالى لهم: إنّهم إنْ كانوا يتولّوْن عنْ طاعة ربّهمْ، وعن اتّباع شرْعه فإنه قادرٌ على إهْلاكهمْ، وعلى الإتْيان بقومٍ آخرين يؤمنون بالله ويسْتجيبون لأوامره، ويعْملون بشرائعه، ولا يكونون أمْثال منْ أهْلكهمْ في البخْل والتّباطؤ عن الجهاد. [1]
{هَا أَنْتُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ {هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [محمد:38] يَقُولُ: تُدْعَوْنَ إِلَى النَّفَقَةِ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} [محمد:38] بِالنَّفَقَةِ فِيهِ، وَأُدْخِلَتْ «هَا» فِي مَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتِ التَّقْرِيبَ جَعَلَتِ الْمَكْنِيَّ بَيْنَ «هَا» وَبَيْنَ «ذَا» ،فَقَالَتْ: هَا أَنْتَ ذَا قَائِمًا، لِأَنَّ التَّقْرِيبَ جَوَابُ الْكَلَامِ، فَرُبَّمَا أَعَادَتْ «هَا» مَعَ «ذَا» ،وَرُبَّمَا اجْتَزَأَتْ بِالْأُولَى، وَقَدْ حَذَفَتِ الثَّانِيَةَ، وَلَا يُقَدِّمُونَ أَنْتُمْ قَبْلَ «هَا» ،لِأَنَّ هَا جَوَابٌ فَلَا تُقَرَّبُ بِهَا بَعْدَ الْكَلِمَةِ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: جُعَلَ التَّنْبِيهُ فِي مَوْضِعَيْنِ لِلتَّوْكِيدِ وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [محمد:38] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَبْخَلْ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ بُخْلِ نَفْسِهِ، لِأَنَّ نَفْسَهُ لَوْ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4462، بترقيم الشاملة آليا)