أهْلك اللهُ أهْل هذهِ القُرى بعْد أنْ أنْذرهُمْ، وحذّرهُمْ، وضرب لهُمُ الأمثال، وبيّن لهُمْ دلائِل قُدْرتِهِ لعلّهُمْ يرْجِعُون عنْ غيِّهِمْ وطُغْيانِهِمْ، فلم يرْجِعُوا، ولمْ يتّعِظُوا، فأخذهُمُ اللهُ أخْذ عزِيزٍ مُقْتدِرٍ. فهلاّ نصرهُمُ الأرْبابُ الذِين اتّخذُوا عِبادتهُمْ قُرْبةً يتقرّبُون بِها إِلى اللهِ فِيما زعمُوا، حِينما نزل بِهِمْ بأسُ اللهِ وأمْرُهُ فأنْقذُوهُمْ ممّا نزل بِهِمْ؟ لكِنّ هؤُلاءِ الأرْباب أصْنامٌ لا تضُرُّ ولا تنْفعُ وقدْ غابُوا عنْهُم، وهُمْ أحْوجُ ما يكُونُون إِليهِمْ. وعجْزُ هؤُلاءِ الأرْبابِ عنْ نُصْرتِهِمْ أثْبت لهُمْ أنّهُمْ كانُوا كاذِبِين في اتّخاذِهِمْ آلهةً، وأنّهُم يفْترُون على اللهِ الكذِب في زعْمِهِمْ أنّهُم يُقرِّبُونهُم إِلى اللهِ زُلْفى، ويشْفعُون لهُمْ عِنْد اللهِ تعالى [1] .
ــــــــــــــــ
قال تعالى: {وقالُوا إِنْ نتّبِعِ الْهُدى معك نُتخطّفْ مِنْ أرْضِنا أولمْ نُمكِّنْ لهُمْ حرمًا آمِنًا يُجْبى إِليْهِ ثمراتُ كُلِّ شيْءٍ رِزْقًا مِنْ لدُنّا ولكِنّ أكْثرهُمْ لا يعْلمُون (57) وكمْ أهْلكْنا مِنْ قرْيةٍ بطِرتْ معِيشتها فتِلْك مساكِنُهُمْ لمْ تُسْكنْ مِنْ بعْدِهِمْ إِلّا قلِيلًا وكُنّا نحْنُ الْوارِثِين (58) وما كان ربُّك مُهْلِك الْقُرى حتّى يبْعث فِي أُمِّها رسُولًا يتْلُو عليْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلّا وأهْلُها ظالِمُون (59) } [القصص/57 - 59]
يُخْبِرُ اللهُ تعالى عمّا اعتذر بهِ بعْضُ المُشْرِكِين إِلى النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عنْ سببِ عدمِ إيمانِهِمْ بِرِسالتِهِ، وكان مِنْ هؤلاء المُعتذِرِين الحارِثُ بِنُ عُثْمان بْنِ نوْفل بْنِ عبْدِ مُنافٍ فقدْ جاء النّبِيّ صلى الله عليه وسلم،وقال لهُ: نحْنُ نعْلمُ أنّك على الحقِّ، ولكِنّنا نخافُ إِنْ اتّبْناك، وخالفْنا العرب، أنْ يُخرِجُونامِنْ أرضِنا، ويغْلِبُونا على سُلْطانِنا ونحنُ قِلّةٌ. ويردُّ الله تعالى على هؤلاءِ بقولِهِ: إِنّ الذِي اعْتذرُوا بِهِ باطِلٌ، لأنّ الله جعلُهُمْ في بلدٍ آمِن، وحرمٍ مُعظّمٍ آمِنٍ مُنْذُ وُضِع. فكيف يكُون هذا الحرمُ آمِنًا لهُمْ وهُمْ كُفّارٌ، مُشْرِكُون، ولا يكُونُ آمنا لهُمْ إِذا أسْلمُوا واتّبعُوا الحقّ؟ ثُمّ يقُولُ تعالى: إِنّهُ يسّر وصُُول الثّمراتِ والأمتِعةِ والأرْزاقِ مِنْ كُلِّ مكانٍ إِلى أهلِ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4410، بترقيم الشاملة آليا)