التَّارِيخُ الْهِجْرِيِّ: هُوَ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَوَّل الْعَامِ الَّذِي هَاجَرَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. جَاءَ فِي"الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ":سَبَبُ وَضْعِ التَّارِيخِ أَوَّل الإِْسْلاَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِصَكٍّ مَكْتُوبٍ إِلَى شَعْبَانَ، فَقَال: أَهُوَ شَعْبَانُ الْمَاضِي أَمْ شَعْبَانُ الْقَابِل؟ ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ التَّارِيخِ، وَاتَّفَقَتِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّارِيخِ مِنْ هِجْرَةِ النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلُوا أَوَّل السَّنَةِ الْمُحَرَّمَ [1] .وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَال: كَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ أَنَّهُ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَأْرِيخٌ فَأَرِّخْ. فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَرِّخْ بِمَبْعَثِ النبي صلى الله عليه وسلم. وَقَال بَعْضُهُمْ: بِوَفَاتِهِ. فَقَال عُمَرُ: لاَ، بَل نُؤَرِّخُ بِمُهَاجَرِهِ؛ فَإِنَّ مُهَاجَرَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل، فَأُرِّخَ بِهِ [2] .
تَتَضَمَّنُ الْهِجْرَةُ قَبْل فَتْحِ مَكَّةَ مَرْحَلَتَيْنِ: مَرْحَلَةَ الإِْذْنِ بِالْهِجْرَةِ، وَمَرْحَلَةَ فَرْضِ الْهِجْرَةِ:
أ - الإِْذْنُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ:
قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ زَمَانًا، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِيهِ بِالْهِجْرَةِ مِنْهَا، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ، وَجَعَل لَهُمْ مَخْرَجًا. فَيُقَال: نَزَلَتْ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2] .فَأَعْلَمَهُمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ مَخْرَجًا. وَقَال تَعَالَى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:100] .وَأَمَرَهُمْ بِبِلاَدِ الْحَبَشَةِ، فَهَاجَرَتْ إِلَيْهَا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، ثُمَّ دَخَل أَهْل الْمَدِينَةِ الإِْسْلاَمَ، فَأَمَرَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم طَائِفَةً فَهَاجَرَتْ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ مُحَرِّمٍ عَلَى مَنْ بَقِيَ تَرْكَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهِمْ [3] .فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ.
(1) - الْعُقُود الدُّرِّيَّة فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الحامدية لاِبْنِ عَابِدِينَ 2/ 335 ط بُولاَق
(2) - الشَّمَارِيخ فِي عِلْمِ التَّارِيخِ لِلسُّيُوطِيَ ص 23 وأخرجه ابن عساكر (1/ 42)
(3) - الأُْمّ 4/ 83، 84 ط بُولاَق