أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان! أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع، ولأن له ضغطا - قد يكون ساحقا - فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان! هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل: {لعن الّذين كفروا منْ بني إسْرائيل على لسان داوود وعيسى ابْن مرْيم ذلك بما عصوْا وكانوا يعْتدون (78) كانوا لا يتناهوْن عنْ منْكرٍ فعلوه لبئْس ما كانوا يفْعلون (79) } [المائدة:78،79] [1]
ـــــــــــ
قال تعالى: {لتجدنّ أشدّ النّاس عداوةً للّذين آمنوا الْيهود والّذين أشْركوا ولتجدنّ أقْربهمْ مودّةً للّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى ذلك بأنّ منْهمْ قسّيسين ورهْبانًا وأنّهمْ لا يسْتكْبرون (82) وإذا سمعوا ما أنْزل إلى الرّسول ترى أعْينهمْ تفيض من الدّمْع ممّا عرفوا من الْحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكْتبْنا مع الشّاهدين (83) وما لنا لا نؤْمن باللّه وما جاءنا من الْحقّ ونطْمع أنْ يدْخلنا ربّنا مع الْقوْم الصّالحين (84) فأثابهم اللّه بما قالوا جنّاتٍ تجْري منْ تحْتها الْأنْهار خالدين فيها وذلك جزاء الْمحْسنين (85) والّذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصْحاب الْجحيم (86) } [المائدة/82 - 86]
يقول تعالى: إنّ أكْثر النّاس عداوةً للْمؤْمنين (الذين آمنوا بمحمّدٍ صلى الله عليه وسلم واتّبعوه) ،هم اليهود والمشْركون. وإنّ أقْرب النّاس مودّةً للْمسْلمين هم النّصارى، الذين قالوا عنْ أنْفسهمْ إنّهمْ يتابعون المسيح على دينه، لما في قلوبهمْ من الرّقّة والرّأْفة، ولأنّ بيْنهمْ قسّيسين يتولّوْن تعْليمهمْ أحْكام الدّين، ويبصّرونهمْ بما في دينهمْ منْ سموٍّ وآدابٍ وفضائل، ولأنّ بيْنهمْ رهْبانًا يضْربون لهم المثل في الزّهْد والتقشّف والإعْراض عن الدّنْيا وزخْرفها وفتْنتها، وينمّون في نفوسهم الخوْف من الله، والانْقطاع للْعبادة، وإنّهمْ لا يسْتكْبرون عن الإذْعان للْحقّ، حينما يتبيّن لهمْ أنّه حقٌّ.
(كان اليهود والمشْركون يشْتركون في بعْض الصفات التي اقْتضتْ عداوتهم الشّديدة للْمؤْمنين: كالكبْر والعتوّ والبغْيّ والأثرة والقسْوة، وضعْف العاطفة الإنْسانيّة (منْ حنانٍ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1346)