فهرس الكتاب

الصفحة 1081 من 3472

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الْمَعْمُول بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَنْقَطِعُونَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مُوسِرِينَ أَوْ غَيْرَ مُوسِرِينَ، قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل أَمْ غَيْرَ قَادِرِينَ.

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] فَهُوَ يَشْمَل الرُّهْبَانَ الْقَادِرِينَ عَلَى الْعَمَل وَغَيْرَ الْقَادِرِينَ، الْمُوسِرِينَ وَغَيْرَ الْمُوسِرِينَ. وَبِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُل بَالِغٍ كَحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ: أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا. وَحَدِيثِ عُمَرَ السَّابِقِ: وَلاَ يَضْرِبُوهَا إِلاَّ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَبِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى رُهْبَانِ أَهْلِ الدِّيَارَاتِ، عَلَى كُلِّ رَاهِبٍ دِينَارَيْنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أَرَى عُمَرَ فَعَلَ هَذَا إِلَّا لِعِلْمِهِ بِطَاقَتِهِمْ لَهُ، وَإِنَّ أَهْلَ دِينِهِمْ يَتَحَمَّلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، كَمَا أَنَّهُمْ يَكْفُونَهُمْ جَمِيعَ مَؤُنَاتِهِمْ". [1] "

وَأَمَّا الْمَعْقُول فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

الأَوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَالرَّاهِبُ غَيْرُ مَحْقُونِ الدَّمِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لِحَقْنِ الدَّمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى دَارِ الإِسْلاَمِ، وَالرَّاهِبُ كَغَيْرِهِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِالدَّارِ، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ. [2]

سَابِعًا: السَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ:

إِذَا أُصِيبَ الْمُطَالَبُ بِالْجِزْيَةِ بِعَاهَةٍ مُزْمِنَةٍ، كَالْمَرَضِ، أَوِ الْعَمَى، أَوِ الْكِبَرِ الْمُقْعِدِ عَنِ الْعَمَل وَالْقِتَال، فَهَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ أَمْ لاَ؟

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنْ هَؤُلاَءِ وَلَوْ كَانُوا مُوسِرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا

(1) - الأموال لابن زنجويه (1/ 163) (166 و167) صحيح

(2) - روضة الطالبين 10/ 307، نهاية المحتاج 8/ 85، الأم 4/ 286، المهذب مع المجموع 18/ 232، مغني المحتاج 4/ 246، نهاية المحتاج 8/ 85، والأموال لأبي عبيد ص 58، والأموال لابن زنجويه 1/ 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت