بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] .
فَفَحْوَى الآْيَةِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْل الْقِتَال؛ لاِسْتِحَالَةِ الْخِطَابِ بِالأَمْرِ بِقِتَال مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقِتَال، إِذِ الْقِتَال لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَنْ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ مِنَ الْمُحْتَرِفِينَ، وَلِذَلِكَ لاَ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْقِتَال: كَالأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ الْفَانِي: سَوَاءٌ أَكَانَ مُوسِرًا أَمْ غَيْرَ مُوسِرٍ؛ وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ، وَهَؤُلاَءِ لاَ يُقْتَلُونَ [1] .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ وَالشُّيُوخِ الْكِبَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ. [2]
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ هَؤُلاَءِ الْمُصَابِينَ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ أَهْلٌ لِلْقِتَال، إِذْ إِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إِذَا كَانُوا ذَوِي رَأْيٍ فِي الْحَرْبِ وَالْقِتَال، فَتَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ، كَمَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل، وَوُجُودُ الْمَال عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْمُصَابِينَ أَكْثَرُ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَل، فَتَجِبُ عَلَيْهِمِ الْجِزْيَةُ إِذَا كَانُوا مُوسِرِينَ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا مُعْسِرِينَ. [3]
وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَهْل الْحِيرَةِ:"هَذَا كِتَابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لأَهْلِ الْحِيرَةِ، أَنَّ خَلِيفَةَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تعاى عَنْهُ أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ بَعْدَ مُنْصَرَفِي مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِأَنْ أَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِلَى رَسُوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَأُبَشِّرُهُمْ بِالْجَنَّةِ وَأُنْذِرُهُمْ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنْ أَجَابُوا فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى"
(1) - البدائع 9/ 4331، فتح القدير 5/ 293، حاشية ابن عابدين 4/ 201، مجمع الأنهر 1/ 671، الاختيار 4/ 138، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 49، كشاف القناع 3/ 120، الإنصاف 4/ 222، مغني المحتاج 4/ 246، وأحكام القرآن للجصاص 3/ 96.
(2) - الكافي لابن عبد البر 1/ 479، حاشية الزرقاني على مختصر خليل 2/ 141، الشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي 2/ 201، منح الجليل 1/ 757، بلغة السالك 1/ 367، الخراج لأبي يوسف ص 123، الهداية 2/ 160، فتح القدير 5/ 293، الاختيار 4/ 138.
(3) - الاختيار 4/ 138، الأموال لابن زنجويه 1/ 163 - 164.