وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» [1] .
وسوء الظن قد يدفعك إلى شر آخر وهو التجسس على أخيك بغرض أن تحقق من سوء ظنك به، وبهذا تدرك الحكمة من الترتيب في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:12] ،فإن سوء الظن مدعاة إلى التجسس وإلى الغيبة فتظن لهذا، وهكذا السيئة تولد سيئة أخرى، ويتوب الله على من تاب.
ومما يناسب هذا المقام ذكر ما قاله ابن حجر في فوائد قصة موسى والخضر عليهما السلام:"مَن استَدَلَّ بِقِصَّةِ الخَضِر عَلَى أَنَّ الولِيّ يَجُوز أَن يَطَّلِع مِن خَفايا الأُمُور عَلَى ما يُخالِف الشَّرِيعَة ويَجُوز لَهُ فِعله فَقَد ضَلَّ، ولَيسَ ما تَمَسَّكَ بِهِ صَحِيحًا، فَإِنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الخَضِر لَيسَ فِي شَيء مِنهُ ما يُناقِض الشَّرع، فَإِنَّ نَقض لَوح مِن أَلواح السَّفِينَة لِدَفعِ الظّالِم عَن غَصبها ثُمَّ إِذا تَرَكَها أُعِيدَ اللَّوح جائِز شَرعًا وعَقلًا؛ ولَكِنَّ مُبادَرَة مُوسَى بِالإِنكارِ بِحَسَبِ الظّاهِر."
وقَد وقَعَ ذَلِكَ واضِحًا فِي رِوايَة أَبِي إِسحاق الَّتِي أَخرَجَها مُسلِم ولَفظه: فَإِذا جاءَ الَّذِي يُسَخِّرها فَوجَدَها مُنخَرِقَة تَجاوزَها فَأُصلِحها. فَيُستَفاد مِنهُ وُجُوب التَّأَنِّي عَن الإِنكار فِي المُحتَمَلات." [2] "
وبالتالي ننصح الإخوة بالتأني في الإنكار على إخوانهم ولا يسارعوا إلى إساءة الظن بهم إذا كانت أفعالهم تحتمل الصواب والخطأ.
(1) - صحيح البخاري (8/ 19) (6064) وصحيح مسلم (4/ 1985) 28 - (2563)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (1/ 222)