وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] .فَلَفْظُ الْجِزْيَةِ فِي الآْيَةِ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى عَلَى إِطْلاَقِهِ، غَيْرَ أَنَّ الإِمَامَ لَمَّا كَانَ وَلِيَّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ مَعَ أَهْل الذِّمَّةِ عَقْدًا عَلَى الْجِزْيَةِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم:أَمَرَ مُعَاذًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا وَصَالَحَ أَهْل نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ وَالْبَاقِي فِي رَجَبٍ.
وَجَعَل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجِزْيَةَ عَلَى ثَلاَثِ طَبَقَاتٍ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَصَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ضِعْفِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّكَاةِ.
فَهَذَا الاِخْتِلاَفُ يَدُل عَلَى أَنَّهَا إِلَى رَأْيِ الإِمَامِ، لَوْلاَ ذَلِكَ لَكَانَتْ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَخْتَلِفَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: «مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَمِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ؟» قَالَ: ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ" [1] "
وَلِأَنَّ الْمَال الْمَأْخُوذَ عَلَى الأَمَانِ ضَرْبَانِ: هُدْنَةٌ وَجِزْيَةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْمَأْخُوذُ هُدْنَةً إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةً وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ، فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ كَالأُجْرَةِ. [2]
وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَلاَ تَتَكَرَّرُ. وَالسَّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا هِيَ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُرَادَةُ شَرْعًا عِنْدَ الإِطْلاَقِ، أَمَّا إِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ كَوْنَهَا شَمْسِيَّةً أَوْ قَمَرِيَّةً فَيَجِبُ اتِّبَاعُ مَا عَيَّنَهُ.
(1) - مصنف عبد الرزاق الصنعاني (6/ 87) (10094) وصحيح البخاري (4/ 96) معلقا صحيح
(2) - المغني 8/ 502، كشاف القناع 3/ 121، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 27، المبدع 3/ 411، المذهب الأحمد ص 210، الإنصاف 4/ 227، كتاب الرواتين والوجهين 2/ 382، الأموال لأبي عبيد ص 57.