أَنَّ لِلْغَانِمِ أَجْرًا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَلَا تَعَارُضَ. ثُمَّ قِيلَ: إِنْ نَقَصَ أَجْرُ الْغَانِمِ عَلَى مَنْ يَغْنَمُ إِنَّمَا هُوَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا فَتَمَتَّعَ بِهِ وَأَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ شَظَفَ عَيْشِهِ، وَمَنْ أَخْفَقَ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئًا بَقِيَ عَلَى شَظَفِ عَيْشِهِ وَالصَّبْرِ عَلَى حَالَتِهِ، فَبَقِيَ أَجْرُهُ مُوَفَّرًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، وَمِنَّا مَنْ مَضَى، أَوْ ذَهَبَ، لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، كَانَ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ يَتْرُكْ إِلَّا نَمِرَةً، كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَهُ، وَإِذَا غُطِّيَ بِهَا رِجْلاَهُ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلِهِ الإِذْخِرَ» ،أَوْ قَالَ: «أَلْقُوا عَلَى رِجْلِهِ مِنَ الإِذْخِرِ» وَمِنَّا مَنْ قَدْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا". [1] "
قال الله تعالى: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (( صلى الله عليه وسلم ) )} [محمد] .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا" [2]
(1) - صحيح البخاري (5/ 95) (4047) وصحيح مسلم (2/ 649) 44 - (940) وتفسير القرطبي (5/ 277)
[ش (فوجب أجرنا على الله) معناه وجوب إنجاز وعد بالشرع لا وجوب العقل (لم يأكل من أجره شيئا) معناه لم توسع عليه الدنيا ولم يعجل له شيء من جزاء عمله (إلا نمرة) النمرة شملة فيها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف تلبسها الأعراب (الإذخر) هو حشيش معروف طيب الرائحة (ومنا من أينعت ثمرته) أي أدركت ونضجت يقال ينع الثمر وأينع ينعا وينوعا فهو يانع (فهو يهدبها) أي يجتنبها وهذا استعارة لما فتح عليهم من الدنيا] وانظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 4001) وشرح السنة للبغوي (5/ 320)
(2) - صحيح البخاري (3/ 128) (2440)
[ش (حبسوا) أوقفوا. (بقنطرة) كل شيء ينصب على طرفي واد أو جانبي نهر ونحوه. (فيتقاصون) من القصاص والمعنى يتراضون فيما بينهم ويتسامحون عما كان لبعضهم من تبعات على بعض. (نقوا وهذبوا) خلصوا من جميع الآثام ولم يبق على أحدهم أية تبعة من التنقية وهي تمييز الجيد من الرديء والتهذيب وهو التخليص. (أدل) أكثر دلالة وأعرف]