فأين هذا الأدب النبوي العظيم مما يعمله من ولاّهم الله رقاب المسلمين من الزعماء الذين يغتصبون حقوق الناس بدون حق، ويعملون شتى أنواع الحيل للوصول إلى ذلك، إما في صورة قانون جائر، وإما عن طريق بطش ظالم ...
إذا أراد الإمام غزو بلدة أو قبيلة في الشمال مثلًا أظهر أنه يريد جهة الجنوب مثلًا، فالحرب خدعة، وفي هذا فائدتان:
الأولى: أن خسائر الأرواح والأموال تقل بين الطرفين فتحل الرحمة محل القسوة.
والثانية: توفير طاقة جيش المسلمين من رجال وعتاد لمعركة لا تجدي فيها الخدعة.
عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ» [1]
فقه الحديث: دل هذا الحديث على استحباب التورية في الحرب، وإخفاء الجهة المقصودة تعمية على العَدُوّ سيما في الحروب الخاطفة للتمكن منه والله أعلم. [2]
10)ومن آداب الجهاد اتخاذ الألوية والرايات:
واللواء أو الراية أو العلم يتخذها المجاهدون، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش، ثم صارت تحمل على رأسه رمزًا لرفع كلمة الله التي ينضوي تحتها المؤمنون، ويشدون على أعداء الله الذين يريدون إطفاء نور الله وتحطيم راية الإسلام ورفع راية الكفر. قال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف:8] .
(1) - صحيح البخاري (4/ 48) (2948)
[ش (قلما) قل فعل ماض دخلت عليه ما ومعناه قليل. (مفازا) الموضع المهلك سمي بذلك تفاؤلا بالفوز والسلامة. (فجلى) أظهره. (ليتأهبوا) ليستعدوا. (أهبة عدوهم) الاستعداد اللازم لملاقاة عدوهم. (بوجهه) بجهته التي يريد]
(2) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 109)