ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هَذَا عَلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ الْمُقَامَ بِهَا، وَهِيَ دَارُ شِرْكٍ، وَإِنْ قَلُّوا بِأَنْ يُفْتَنُوا، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ بِجِهَادٍ.
ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل لَهُمْ بِالْجِهَادِ، ثُمَّ فَرَضَ بَعْدَ هَذَا عَلَيْهِمْ أَنْ يُهَاجِرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ [1] .
لَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل الْجِهَادَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وَجَاهَدَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إِذْ كَانَ أَبَاحَهُ، وَأَثْخَنَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي أَهْل مَكَّةَ، وَرَأَوْا كَثْرَةَ مَنْ دَخَل فِي دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل اشْتَدُّوا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، فَفَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ أَوْ مَنْ فَتَنُوا مِنْهُمْ، فَعَذَرَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ الْمَفْتُونِينَ، فَقَال: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] ،وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل جَعَل لَكُمْ مَخْرَجًا، وَفَرَضَ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ الْخُرُوجَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ وَلاَ يَمْتَنِعُ [2] .
وَقَال الْبَغَوِيُّ [3] :فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ وَالاِنْتِقَال إِلَى حَضْرَتِهِ، لِيَكُونُوا مَعَهُ وَيَتَظَاهَرُوا إِنْ حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، وَلِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَقَطَعَ اللَّهُ الْوِلاَيَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، كَمَا قَال جَل ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:72] .
وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَال: فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم قَبْل فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا وَاجِبَةً مُؤَبَّدَةً، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْبَقَاءَ مَعَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ اسْتَقَرَّ، وَالتَّحَوُّل مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّل، لِنُصْرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَصُحْبَتِهِ، وَلِيَحْفَظُوا عَنْهُ مَا
(1) - الأُْمّ 4/ 84
(2) - الأُْمّ 4/ 84، وانظر مَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ (بِهَامِشٍ مُخْتَصِرٍ سُنَن أَبِي دَاوُد لِلْمُنْذِرِي 3/ 352) ، وأحكام الْقُرْآن لِلشَّافِعِيِّ 2/ 16
(3) - شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ 10/ 372