الدخول في تلك المباحث الفقهية، والاشتغال بصياغة الأحكام، والتقنين للحالات الواقعة التي يواجهها الإسلام بالفعل، لا في عالم النظريات! وإذا كنا قد تعرضنا لتفسير هذه الآية - من ناحية الأصل والمبدأ - فإنما فعلنا هذا لأنها تتعلق بمسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة المنهج الإسلامي. وعند هذا الحد نقف، فلا نتطرق وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراما لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال! [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنواْ لا تتّخذواْ الْيهود والنّصارى أوْلياء بعْضهمْ أوْلياء بعْضٍ ومن يتولّهم مّنكمْ فإنّه منْهمْ إنّ اللّه لا يهْدي الْقوْم الظّالمين} (51) سورة المائدة
عنْ عبادة بْن الصّامت، قال: لمّا حاربتْ بنو قيْنقاع تشبّث بأمْرهمْ عبْد اللّه بْن أبيٍّ ابْن سلول وقام دونهمْ ومشى عبادة بْن الصّامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرّأ إلى اللّه ورسوله منْ حلْفهمْ، وكان أحد بني عوْف بْن الْخزْرج وله منْ حلْفهمْ مثْل الّذي لهمْ منْ عبْد اللّه بْن أبيٍّ فخلعهمْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرّأ منْ حلْف الْكفّار وولايتهمْ. فقال: أتولّى اللّه ورسوله والْمؤْمنين وأبْرأ إلى اللّه منْ حلْف هؤلاء الْكفّار وولايتهمْ. قال: ففيه وفي عبْد اللّه بْن أبيٍّ نزلت الْقصّة في الْمائدة {يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا الْيهود والنّصارى أوْلياء بعْضهمْ أوْلياء بعْضٍ} [المائدة:51] [2]
وقال الطبري معقبًا:"والصّواب من الْقوْل في ذلك عنْدنا أنْ يقال: إنّ اللّه تعالى ذكْره نهى الْمؤْمنين جميعًا أنْ يتّخذوا الْيهود والنّصارى أنْصارًا وحلفاء على أهْل الْإيمان باللّه ورسوله، وأخْبر أنّه من اتّخذهمْ نصيرًا وحليفًا ووليًّا منْ دون اللّه ورسوله والْمؤْمنين، فإنّه منْهمْ في التّحزّب على اللّه وعلى رسوله والْمؤْمنين، وأنّ اللّه ورسوله منْه بريئان. وقدْ يجوز أنْ تكون الْآية نزلتْ في شأْن عبادة بْن الصّامت وعبْد اللّه بْن أبيّ ابْن سلولٍ وحلفائهما من الْيهود، ويجوز أنْ تكون نزلتْ في أبي لبابة بسبب فعْله في بني قريْظة، ويجوز"
(1) -في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:2199)
(2) - تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا (4/ 1155) (6506) حسن