الْمُسْتَقْبَل؛ لِأَنَّ نُصْرَةَ الْمَاضِي يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِانْقِضَائِهِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ إِيجَابُ الْجِزْيَةِ بَعْدَ الْحَوْل تَجِبُ فِي أَوَّلِهِ [1] .
الْمَقْصُودُ بِتَعْجِيل الْجِزْيَةِ: اسْتِيفَاؤُهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْل وَقْتِ وُجُوبِهَا بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَل يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَعْجِل أَخْذَ الْجِزْيَةِ أَوْ يَسْتَسْلِفَهَا؟
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي وَجْهٍ، إِلَى جَوَازِ تَعْجِيلِهَا لِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِرِضَا أَهْل الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُ تَعْجِيلِهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَالْخَرَاجِ، وَلِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دِمَائِهِمْ فَأَشْبَهَتِ الأُجْرَةَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اشْتِرَاطِ تَعْجِيلِهَا، وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بِرِضَا أَهْل الذِّمَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى الزَّكَاةِ، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يَسْتَسْلِفَ الزَّكَاةَ إِلاَّ بِرِضَا رَبِّ الْمَال، بَل الْجِزْيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلسُّقُوطِ قَبْل الْحَوْل وَبَعْدَهُ، فَتَسْقُطُ بِالإِسْلاَمِ وَالْمَوْتِ أَثْنَاءَ السَّنَةِ وَتَتَدَاخَل بِالاِجْتِمَاعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ [2] .
تَأْخِيرُ الْجِزْيَةِ:
إِذَا تَأَخَّرَ الذِّمِّيُّ عَنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَمَطَل بِهَا جَازَ لِلإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا عُقُوبَتُهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ فَجَائِزٌ، فَأَمَّا مَعَ تَبَيُّنِ عَجْزِهِمْ فَلاَ تَحِل عُقُوبَتُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِزْيَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ [3] .
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ:
(1) - الاختيار 4/ 137، فتح القدير 5/ 298، العناية على الهداية على هامش فتح القدير 5/ 298.
(2) - الاختيار 4/ 139، مواهب الجليل 3/ 382، روضة الطالبين 10/ 313، المبدع 3/ 412، الإنصاف 4/ 229، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 99.
(3) - الجامع لأحكام القرآن 8/ 115، المذهب الأحمد ص 211، الاختيارات الفقهية لابن تيمية جمع البعلي ص 319،الإنصاف 4/ 252.