وهذا أمر يعلمه الله تعالى من العبد فإن نَكَلَ عن الطاعة مدعيا عدم الاستطاعة كاذبا، فالله مُطَّلِع عليه، {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:94] .
والمقصد مما سبق أن عهود الأمراء على الطاعة ينبغي أن تقيد بهذين القيدين: المعصية من جهة الأمير والاستطاعة من جهة المأمور.
حب الإمارة والحرص عليها مرض لا ينجو منه إلا من رحم الله تعالى. أما كونه مرضا فلأنه يفسدُ دينَ صاحبه، فعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [1]
والحرص على الشرف هو حب الرياسة وهو أشد من حب المال لأن الناس يبذلون المال للتوصل إلى الرياسة، وكلاهما يفسد الدين أشد من إفساد الذئبين الجائعين لحظيرة الغنم. أما كونه لا ينجو منه إلا من رحم الله فلأنه جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم،قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ» [2] ،فدل الحديث على أن الحرص على الإمارة هو صفة الغالبية.
والحرص على الإمارة يتخذ صورا متعددة تتفاوت في شدتها، منها:
أ = التنافس فيها وقد يؤدي إلى الاقتتال بين المسلمين
عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (8/ 24) (3228) صحيح
(2) - صحيح البخاري (9/ 63) (7148)
[ش (ندامة) لمن لم يعمل فيها بما ينبغي عليه. (فنعم المرضعة) أول الإمارة لأن معها المال والجاه واللذات الحسية والوهمية. (بئست الفاطمة) آخرها لأن معه القتل والعزل والمطالبة بالتبعات يوم القيامة]