اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَهْل الْكِتَابِ (الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) إِذَا قُوبِلُوا بِالْمَجُوسِ. فَالْمَجُوسِيَّةُ شَرٌّ [1] ،وَأَمَّا الْيَهُودِيَّةُ إِذَا قُوبِلَتْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَاخْتَلَفَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ عَلَى الاِتِّجَاهَاتِ التَّالِيَةِ:
وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال أَصْحَابِ التَّفَاسِيرِ وَالْفُقَهَاءِ، الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّنْ رَتَّبُوا أَحْكَامًا فِقْهِيَّةً كَثِيرَةً عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دُونَ أَيِّ تَفْرِقَةٍ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، مِثْل: جَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَأَهْل الْمَذَاهِبِ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَوَازِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَجَوَازِ أَكْل ذَبِيحَتِهِمْ، وَحِل نِكَاحِ نِسَائِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ نِحَلُهُمْ؛ وَلأَِنَّهُ يَجْمَعُهُمُ اعْتِقَادُ الشِّرْكِ وَالإِْنْكَارِ لِنُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم [2] .
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ النَّصْرَانِيَّةَ شَرٌّ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ.
وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْهُمُ ابْنُ نُجَيْمٍ وَصَاحِبُ الدُّرَرِ وَابْنُ عَابِدِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَفَرَّعُوا عَلَى هَذَا الْفَرْقِ بِقَوْلِهِمْ: يَلْزَمُ عَلَى هَذَا كَوْنُ الْوَلَدِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ وَنَصْرَانِيٍّ أَوْ عَكْسِهِ تَبَعًا لِلْيَهُودِيِّ لاَ النَّصْرَانِيِّ.
وَفَائِدَتُهُ خِفَّةُ الْعُقُوبَةِ فِي الآْخِرَةِ، حَيْثُ إِنَّ فِي الآْخِرَةِ يَكُونُ النَّصْرَانِيُّ أَشَدَّ عَذَابًا؛ لأَِنَّ نِزَاعَ النَّصَارَى فِي الإِْلَهِيَّاتِ، وَنِزَاعَ الْيَهُودِ فِي النُّبُوَّاتِ.
وَكَذَا فِي الدُّنْيَا؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ مِنْ كِتَابِ الأُْضْحِيَّةِ أَنَّهُ: يُكْرَهُ الأَْكْل مِنْ طَعَامِ الْمَجُوسِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ؛ لأَِنَّ الْمَجُوسِيَّ يَطْبُخُ الْمُنْخَنِقَةَ وَالْمَوْقُوذَةَ وَالْمُتَرَدِّيَةَ، وَالنَّصْرَانِيَّ لاَ ذَبِيحَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَأْكُل ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ أَوْ يَخْنُقُهَا، وَلاَ بَأْسَ بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَأْكُل
(1) - المبسوط 5/ 48، وفتح القدير 3/ 287.
(2) - المبسوط 4/ 210، و 5/ 32، 38، 44، والمغني 8/ 567، 568، وروضة الطالبين 7/ 135، 136، والحطاب 3/ 447، والمدونة الكبرى 4/ 306.