وما لهم مصير سوى هذا المصير .. والتفاوت إذن إنما يكون في العمل والنية وفي الاتجاه، والاهتمام .. أما النهاية فواحدة: موت أو قتل في الموعد المحتوم، والأجل المقسوم. ورجعة إلى الله وحشر في يوم الجمع والحشر .. ومغفرة من الله ورحمة، أو غضب من الله وعذاب .. فأحمق الحمقى من يختار لنفسه المصير البائس. وهو ميت على كل حال! بذلك تستقر في القلوب حقيقة الموت والحياة، وحقيقة قدر الله. وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاء جرى به القدر وإلى ما وراء القدر من حكمة، وما وراء الابتلاء من جزاء .. وبذلك تنتهي هذه الجولة في صميم أحداث المعركة، وفيما صاحبها من ملابسات .. [1]
فإنه يتمنى أن يرده الله إلى الدنيا، ليقتل في سبيل الله، لما يرى من فضل الشهادة وكرامة الشهيد. فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ» [2] .
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: جَازَ كَوْنُهُ عَظِيمًا عَلَى أَنْ يُرْجَعَ ; أَيْ مَا يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ فِي الدُّنْيَا، وَكَوْنُهُ حَالًا ; أَيْ: لَا يُحِبُّ الرُّجُوعَ حَالَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِكَثِيرٍ مِنْ أَمْتِعَةِ الدُّنْيَا وَالْبَسَاتِينِ وَالْأَمْلَاكِ وَالرِّقَابِ اه. وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي، وَأَنَّ لَهُ جَمِيعَ مَا فِي الْأَرْضِ ; لِأَنَّ مِنْ شَيْءٍ بَيَانٌ لِمَا فَيُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ (إِلَّا الشَّهِيدُ) :بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ بَدَّلٌ مِنْ أَحَدٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (يَتَمَنَّى) :أَيْ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى (أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ) :الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ (لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ) :أَيْ كَرَامَةَ الشَّهَادَةِ، وَفِيهِ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:804)
(2) - صحيح البخاري (4/ 22) (2817) وصحيح مسلم (3/ 1498) 109 - (1877)
[ش (ما على الأرض من شيء) الدنيا وما فيها. (لما يرى من الكرامة) لأجل ما يراه من فضل الشهادة]