كان فِي المدِينةِ ثلاث قبائِل مِن اليهودِ: بنُو قيْنُقاع وبنُو النّضِيرِ، وهُمْ حُلفاءُ الخزْرجِ، وبنُو قُريْظة وهُمْ حُلفاءُ الأوْسِ، وكانُوا إِذا وقعتِ الحرْبُ بيْن الأوْسِ والخزْرجِ انتصر كُلُّ فرِيقٍ مِن اليهُودِ لِحُلفائِهِ، وانْضمّ إِليِهِمْ يُقاتِلُ خُصُومهمْ. وكثيرًا ما كان اليهودِيُّ يقْتُلُ اليهُودِيُّ فِي الحرْبِ، ويُخْرِجُهُ مِنْ بيْتِهِ، وينْتهِبُ مالهُ وأثاث منْزِلِهِ، وكلُّ ذلِك محرّمٌ عليهِمْ فِعْلُهُ بِنصِّ التّوراةِ. ولكِنّهُمْ كانُوا إِذا وضعتِ الحِرْبُ أوْزارها يقُومُون بِافْتِكاكِ الأسْرى ومُفاداتِهِمْ، عملًا بِنصِّ التّوراةِ، فاسْتنْكر اللهُ تعالى أفْعالهُمْ هذِهِ، فهُمْ يقتُلُ بعْضُهُمْ بعْضًا خِلافًا للنّصِّ، ولكِنّهُمْ يفْتكُّون الأسْرى ويُفادُونهُمْ عملًا بِنصِّ التّوراةِ.
ويقُولُ اللهُ تعالى لهُمْ مُسْتنْكِرًا تصرُفاتِهِمْ هذِهِ: أفتُؤْمِنُون بِبعْضِ الكِتابِ وتعْملُون بِهِ، وتكْفُرُون بِبعْضِهِ وتُخالِفُونهُ؟ وتوعّد اللهُ تعالى منْ يُؤْمِنُ بِبعْضِ الكِتابِ، ويكْفُرُ بِبعْضِهِ الآخرِ بِالخِزْيِ والمذلّةِ فِي الحياةِ الدُّنْيا، وبِالعذابِ الألِيمِ الشّدِيدِ يوْم القِيامةِ. ثُمّ يُذكِّرُهُمْ اللهُ بِأنّهُ غيْرُ غافِلٍ عمّا يعْملُون.
وهؤُلاءِ الذِين يُخالِفُون أوامِر التّوراةِ، ويعْمِلُون بِبعْضِ ما جاء فِيها، هُمُ الذِين اسْتحبُّوا الحياة الدُّنيا، وآثروها وفضّلُوها على الآخِرةِ، بِما أهْملُوا مِن الشّرائِعِ، وبِما تركُوا مِنْ أوامِرِها التِي يعْرِفُونها (كالانتِصارِ لِلحلِيفِ المُشْرِكِ ومُظاهرتِهِ على قوْمِهِمْ فِي الدِّينِ والنّسبِ، وإِخْراجِ أهْلِهِمْ مِنْ دِيارِهِم ابْتِغاء مرْضاةِ ذلِك الحلِيفِ المُشْرِكِ) ،فكانُوا كمنِ اشْترى الحياة الدُّنيا بِالآخِرةِ. وهؤلاءِ لا يُخفّفُ عنْهُمُ العذابُ يوْم القِيامةِ، ولا يجِدُون لهُم ناصِرًا يُنْقِذُهُمْ مِن العذابِ، ولا مُجِيرًا يُجِيرُهُمْ .. [1]
ــــــــــــــ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 91، بترقيم الشاملة آليا)