فهرس الكتاب

الصفحة 625 من 3472

وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْعَهْدَ مَعْنًى مَحْسُوسًا، وَإِنَّمَا الْعَهْدُ حُكْمٌ اقْتَضَاهُ النَّظَرُ، وَالْتَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَإِذَا نَقَضَهُ انْتَقَضَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ مِنْ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، فَإِنَّهَا تُعْقَدُ؛ فَتُرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ؛ فَإِذَا نُقِضَتْ وَنُسِخَتْ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ. [1]

ــــــــــ

قتال من يلينا من الكفار:

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:123]

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ الطَّرِيقَ الأَمْثَلَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالِ الأَقْربِ فَالأَقْرَبِ مِنْهُمْ إِلى أَرْضِ الإِسْلاَمِ، وَبِذلِكَ لاَ يَبْقَى مَجَالٌ لأنْ يُؤْخَذَ المُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ، إِذَا تَرَكُوا مَنْ هُمْ قُرْبَهُمْ وَذَهَبُوا لِيُقَاتِلُوا مَنْ خَلْفَ أَعْدَائِهِمْ، وَلِهَذَا بَدَأَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَمَّا انْتَهَى مِنَ العَرَبِ شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ. وَهَكَذَا كَانَ المُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ العُتَاةِ الفُجَّارِ وَهَكَذَا. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَكُونُوا أَشِدّاءَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا لَهُمْ غِلْظَةً وَشِدَّةً وَخُشُونَةً فِي القِتَالِ، لِيُدْخِلُوا الوَهَنَ إِلَى نُفُوسِهِمْ، وَنُفُوسِ مَنْ خَلْفَهُمْ. وَمِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ، رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُ مَعَهُمْ يُثَبِّتُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ إِذَا اتَّقَوْهُ وَأَطَاعُوهُ. [2] .

وقال السعدي:

وهذا أيضا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، أرشدهم إلى أنهم يبدأون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، والشدة في القتال، والشجاعة والثبات. {واعْلموا أنّ اللّه مع الْمتّقين} أي: وليكن لديكم علم أن المعونة من اللّه تنزل بحسب التقوى، فلازموا على تقوى اللّه، يعنكم وينصركم على عدوكم. وهذا العموم في

(1) - أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (2/ 460)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1359، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت