فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 3472

[الأنبياء:73] فَالْإِمَامُ فِي الْخَيْرِ هَادٍ مُهْتَدٍ، وَالْإِمَامُ فِي الشَّرِّ ضَالٌّ مُضِلٌّ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا غَدَرُوا بِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنَكَثُوا مَا كَانُوا أَعْطَوْا مِنْ الْعُهُودِ وَالْأَيْمَانِ عَلَى أَنْ لَا يُعِينُوا عَلَيْهِ أَعْدَاءَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَهَمُّوا بِمُعَاوَنَةِ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّارِ عَلَى إخْرَاجِ النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ الْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ بَدَءُوا بِالْغَدْرِ، وَنَكْثِ الْعَهْدِ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِهِ: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانُوا نَقَضُوا الْعَهْدَ بقوله: {أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [1] .

وقال ابن العربي:

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْله تَعَالَى {وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ} [التوبة:12] :دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّاعِنَ فِي الدِّينِ كَافِرٌ، وَهُوَ الَّذِي يَنْسِبُ إلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، أَوْ يَعْتَرِضُ بِالِاسْتِخْفَافِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ الدِّينِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ عَلَى صِحَّةِ أُصُولِهِ وَاسْتِقَامَةِ فُرُوعِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا طَعَنَ الذِّمِّيُّ فِي الدِّينِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ لِقَوْلِهِ: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ} [التوبة:12]

إلَى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة:12] فَأَمَرَ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ إذَا طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ.

فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا أُمِرْنَا بِقِتَالِهِمْ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَكْثُهُمْ لِلْعَهْدِ.

وَالثَّانِي: طَعْنُهُمْ فِي الدِّينِ. قُلْنَا: الطَّعْنُ فِي الدِّينِ نَكْثٌ لِلْعَهْدِ، بَلْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ: إنْ عَمِلُوا مَا يُخَالِفُ الْعَهْدَ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رُفِعَ إلَيْهِ أَنَّ ذِمِّيًّا نَخَسَ دَابَّةً عَلَيْهَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، فَرَمَحَتْ، فَأَسْقَطَتْهَا، فَانْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهَا، فَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي الْمَوْضِعِ وَقَالَ: أَمَّا مَالُهُ فَيُؤْخَذُ.

وَهَذَا تَعَارُضٌ لَا يُشْبِهُ مَنْصِبَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ عَهْدَهُ هُوَ الَّذِي حَمَى وَلَده وَمَالَهُ، فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهُ ذَهَبَ عَنْ وَلَدِهِ وَمَالِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إذَا نَقَضَ الذِّمِّيُّ الْعَهْدَ فَهُوَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَا يَعُودُ الْحُرُّ فِي الرِّقِّ أَبَدًا.

(1) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (3/ 110)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت