بِجِزْيَةٍ، وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ كَانَ الصُّلْحُ فَاسِدًا. وَالْمُرَادُ بِالْحِجَازِ - كَمَا سَبَقَ - مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم أَخْرِجُوا أَهْل نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
فَيُحْمَل عَلَى أَنَّ بِلاَدَهُمْ - وَهِيَ الْيَمَنُ - مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُمْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلاَ يُحْدِثُوا حَدَثًا، وَلاَ يَأْكُلُوا الرِّبَا، فَأَكَلُوا الرِّبَا، وَنَقَضُوا الْعَهْدَ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لِهَذَا السَّبَبِ، لاَ لِكَوْنِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ لاَ تَصْلُحُ لِسُكْنَى أَهْل الذِّمَّةِ. [1]
عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَجْلَى اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ اليَهُودُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم لِيُقِرَّهُمْ بِهَا، أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا» ،فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ" [2] "
وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَنَّهُ أَجْلَى مَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَقَدْ أَجَلاَهُمْ عُمَرُ مِنَ الْحِجَازِ وَأَقَرَّهُمْ بِالْيَمَنِ. [3]
اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ عِدَّةَ شُرُوطٍ مِنْهَا: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْمَقْدِرَةُ الْمَالِيَّةُ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ الْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ.
وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل الْقَوْل فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ.
أَوَّلًا: الْبُلُوغُ:
(1) - المهذب مع المجموع 8/ 267.
(2) - صحيح البخاري (3/ 107) (2338) وصحيح مسلم (3/ 1187) 6 - (1551)
[ش (ظهر) غلب وانتصر. (لله ولرسوله وللمسلمين) وذلك أن خيبر فتح بعضها صلحا وبعضها عنوة فالذي فتح عنوة كان خمسه لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وأربعة أخماسه للمسلمين الغانمين والذي فتح صلحا كان لليهود ثم صار للمسلمين بعقد الصلح. (تيماء) موضع على طريق المدينة من الشام. (أريحاء) قرية من بلاد الشام]
(3) - نهاية المحتاج 8/ 90.