اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تُضْرَبُ عَلَى صِبْيَانِ أَهْل الذِّمَّةِ [1] .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي هَذَا، وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، لاَ أَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلاَفَهُمْ [2]
وَاسْتَدَلُّوا لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29] آيَةَ الْجِزْيَةِ.
فَالْمُقَاتَلَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْقِتَال تَسْتَدْعِي أَهْلِيَّةَ الْقِتَال مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلاَ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقِتَال، وَالصِّبْيَانُ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَيْهِمْ. [3]
وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. حَيْثُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُل حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ.
وَالْحَالِمُ: مَنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بِالاِحْتِلاَمِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَلاَمَاتِ الْبُلُوغِ، فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الصِّبْيَانِ.
فعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ أَسْلَمَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْجِزْيَةِ «أَلَّا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ، إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَلَا يَضْرِبُوهَا عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ» [4]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَاهُ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَى الذُّكُورِ الْمُدْرِكِينَ، دُونَ الْإِنَاثِ وَالْأَطْفَالِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ، لَوْ لَمْ يُؤَدُّوهَا، وَأَسْقَطَهَا عَنْ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْلَ وَهُمُ الذُّرِّيَّةُ. وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى مُعَاذٍ بِالْيَمَنِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: «أَنَّ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» ،مَا فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِقَوْلِ
(1) - تبيين الحقائق 3/ 278، بدائع الصنائع 9/ 4330، الهداية 2/ 160، الاختيار 4/ 38، الفتاوى الهندية 2/ 244، الجوهرة النيرة 2/ 351، حاشية ابن عابدين 4/ 198، مجمع الأنهر 1/ 671، الخراج ص 122، المنتقى 2/ 176، المقدمات لابن رشد 1/ 397، حاشية الخرشي 3/ 144، البداية لابن رشد 1/ 404، القوانين الفقهية ص 175، حاشية قليوبي 4/ 2289، الأم 4/ 279، رحمة الأمة 2/ 182، المهذب مع المجموع 18/ 227، كشاف القناع 3/ 119، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 42، المبدع 3/ 408، المحلى 7/ 566.
(2) - المغني 8/ 507.
(3) - بدائع الصنائع 9/ 4330.
(4) - الأموال لابن زنجويه (1/ 150) (143) صحيح