فهرس الكتاب

الصفحة 1122 من 3472

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِعْسَارِ الطَّارِئِ لِأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ الإِعْسَارَ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً. [1]

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، وَتُعْتَبَرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَدَاءِ. أَخْذًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280] .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الذِّمِّيِّ بِالإِعْسَارِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل لِأَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَجِبُ، وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل، أَمَّا إِذَا كَانَ الإِعْسَارُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَيُنْظَرُ وَيُمْهَل إِلَى وَقْتِ يَسَارٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَدَاءِ. [2]

الْخَامِسُ: التَّرَهُّبُ وَالاِنْعِزَال عَنِ النَّاسِ:

إِذَا تَرَهَّبَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَانْعَزَل عَنِ النَّاسِ وَانْقَطَعَ لِلْعِبَادَةِ فِي الأَدْيِرَةِ وَالصَّوَامِعِ، فَهَل تَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؟

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ، لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً فَأَشْبَهَ الْعَجْزَ وَالْجُنُونَ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَلَوْ مُتَجَمِّدَةً عَنْ سِنِينَ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَخَوَانِ (مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ) مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لاَ تَسْقُطُ بِالتَّرَهُّبِ الطَّارِئِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَانِعًا مِنْ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ ابْتِدَاءً، فَلاَ يُعْتَبَرُ عُذْرًا لِإِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. وَعَلَّلَهُ الأَخَوَانِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَّخِذُهُ وَسِيلَةً لِلتَّهَرُّبِ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَلاَ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّرَهُّبَ الطَّارِئَ لاَ يُسْقِطُ الْجِزْيَةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْل، وَتُصْبِحُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَهَّبَ أَثْنَاءَ الْحَوْل فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّهَا لاَ تَجِبُ وَلاَ تُؤْخَذُ قَبْل كَمَال الْحَوْل.

(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 145، وروضة الطالبين 10/ 308، ونهاية المحتاج 8/ 88، والأم 4/ 279، ومغني المحتاج 4/ 246، وحاشية القليوبي 4/ 232، والمحلى 7/ 566.

(2) - كشاف القناع 3/ 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت