لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مُوَادَعَةُ الْبُغَاةِ بِمَالٍ. فَإِنْ وَادَعَهُمُ الإِْمَامُ بِمَالٍ بَطَلَتِ الْمُوَادَعَةُ، وَإِنْ طَلَبُوهَا أُجِيبُوا إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ مَالٍ وَكَانَ فِي عَقْدِهَا مَصْلَحَةٌ لأَِهْل الْجَمَاعَةِ [1] .
نَقْضُ الْهُدْنَةِ:
عَقْدُ الْهُدْنَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ يُنْهِي الْعَهْدَ بِانْتِهَاءِ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إِلَى النَّبْذِ، حَتَّى كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوَ عَلَيْهِمْ لأَِنَّ الْعَقْدَ الْمُؤَقَّتَ إِلَى غَايَةٍ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ مِنْ غَيْرِ الْحَاجَةِ إِلَى النَّاقِضِ. وَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِالْهُدْنَةِ الْمُؤَقَّتَةِ فَمَضَى الْوَقْتُ وَهُوَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَأْمَنِهِ لأَِنَّ التَّعَرُّضَ لَهُ يُوهِمُ الْغَدْرَ وَالتَّغْرِيرَ، فَيَجِبُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ [2] .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَقْدُ الْهُدْنَةِ مُطْلَقًا عَنِ الْوَقْتِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ إِطْلاَقَهُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ أَوْ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ عِنْدَ مَنْ لاَ يُجِيزُ ذَلِكَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، فَالَّذِي يَنْتَقِضُ بِهِ نَوْعَانِ: تَصْرِيحٌ وَدَلاَلَةٌ.
فَالتَّصْرِيحُ هُوَ النَّبْذُ صَرِيحًا.
وَأَمَّا الدَّلاَلَةُ فَهِيَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمْ مَا يَدُل عَلَى النَّبْذِ [3] ،وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّقْضِ دَلاَلَةً:
أ) خُرُوجُ قَوْمٍ مِنْ دَارِ الْمُوَادَعَةِ بِإِذْنِ مَلِكِهِمْ وَقَطْعُهُمُ الطَّرِيقَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ إِذْنَ مَلِكِهِمْ بِذَلِكَ دَلاَلَةُ النَّبْذِ.
ب) قِتَالُهُمُ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ لاَ شُبْهَةَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شُبْهَةٌ كَأَنْ أَعَانُوا الْبُغَاةَ مُكْرَهِينَ فَلاَ يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ.
ج) مُكَاتَبَتُهُمْ أَهْل الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
(1) - وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بُغَاة ف 22) .
(2) - بَدَائِع الصَّنَائِع 7/ 109 - 110، وشرح السَّيْر الْكَبِير 5/ 1710، ومطالب أُولِي النُّهَى 2/ 591.
(3) - بَدَائِع الصَّنَائِع 7/ 109، ونهاية الْمُحْتَاج 8/ 102.