مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:4] ،فَلَوْ أَتْلَفَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْل الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
أَمَّا حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَكَذَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ فَلاَ تَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ لاَ حِفْظُهُمْ، بِخِلاَفِ عَقْدِ الذِّمَّةِ حَيْثُ نَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا نَدْفَعُ عَنْ أَنْفُسِنَا [1] .
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنَ الْمُوَادِعِينَ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَةٌ، فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ، فَهَؤُلاَءِ آمِنُونَ لاَ سَبِيل لأَِحَدٍ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الأَْمَانَ لَهُمْ فَلاَ يَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ كَمَا فِي الأَْمَانِ الْمُؤَبَّدِ - وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ - أَنَّهُ لاَ يَبْطُل بِدُخُول الذِّمِّيِّ دَارَ الْحَرْبِ كَذَا هَذَا، وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَل فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ دَارِهِمْ بِأَمَانٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَهُوَ آمِنٌ لأَِنَّهُ لَمَّا دَخَل دَارَ الْمُوَادِعِينَ بِأَمَانِهِمْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ جُمْلَتِهِمْ فَلَوْ عَادَ إِلَى دَارِهِ ثُمَّ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِغَيْرِ أَمَانٍ كَانَ فَيْئًا لَنَا أَنْ نَقْتُلَهُ وَنَأْسِرَهُ لأَِنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل دَارِ الْمُوَادَعَةِ فَبَطَل حُكْمُ الْمُوَادَعَةِ فِي حَقِّهِ.
فَإِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ فَهَذَا حَرْبِيٌّ دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ أَمَانٍ.
وَلَوْ أَسَرَ أَهْل دَارٍ أُخْرَى وَاحِدًا مِنَ الْمُوَادِعِينَ فَغَزَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى تِلْكَ الدَّارِ كَانَ الْمَأْسُورُ فَيْئًا، وَلَوْ دَخَل إِلَيْهِمْ تَاجِرٌ فَهُوَ آمِنٌ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ فَقَدِ انْقَطَعَ حُكْمُ دَارِ الْمُوَادَعَةِ فِي حَقِّهِ وَإِذَا دَخَل تَاجِرًا لَمْ يَنْقَطِعْ [2] .
أ - أَهْل الْحَرْبِ:
يَجُوزُ عَقْدُ الْهُدْنَةِ لأَِهْل الْحَرْبِ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْل كِتَابٍ مِنْ نَصَارَى وَيَهُودٍ أَمْ غَيْرَ أَهْل الْكِتَابِ. وَالأَْصْل فِي هَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
(1) - مُغْنِي الْمُحْتَاج 4/ 260 - 261 - 262، وتحفة الْمُحْتَاج 9/ 307، وشرح رَوَّضَ الطَّالِبُ 4/ 225، والمغني 8/ 463، وشرح السَّيْر الْكَبِير 2/ 82، والبدائع 7/ 109، والدسوقي 2/ 184، جواهر الإِْكْلِيل 1/ 270، وكشاف الْقِنَاع 3/ 115.
(2) - بَدَائِع الصَّنَائِع 7/ 109.