فالصواب إن شاء الله تعالى أن يراعي الناصح هذه الأحوال ثم يتخير الأسلوب الأنسب: الإسرار أو الجهر، فإن التبس عليه الأمر فالإسرار أولى إن شاء الله تعالى لحديث عياض بن غنم المذكور في أول هذه المسألة ولقصة أسامة بن زيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنهم.
ـــــــــــ
مما يلزم الأعضاء من حقوق الأمير عليهم توقيره، وأدل على هذا بجملة أحاديث
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي خَمْسٍ، مَنْ فَعَلَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنًا عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ، أَوْ خَرَجَ غَازِيًا أَوْ دَخَلَ عَلَى إِمَامِهِ، لَا يُرِيدُ إِلَّا تَعْزِيزَهُ وَتَوْقِيرَهُ، أَوْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَسَلِمَ النَّاسُ مِنْهُ وَسَلِمَ» [1]
وعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ، شَهِدْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَصَبٌ - وَعَلَى النَّاسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، فَخَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مُرَقَّقٌ وَبُرْدَانِ، مُرَجِّلًا رَأْسَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللهُ، وَمَنْ أَهَانَهُ أَهَانَهُ اللهُ" [2] .
قلت: وإهانة ولي الأمر قد تكون بعصيان أوامره والاستخفاف بها، أو بالسخرية من الأمير بالقول والغمز واللمز أو بوصفه بصفة خَلْقِية أو خُلُقِية فيه تدعو للاستخفاف به، أو بمدح غيره بما فيه تعريض بالذم لهذا الأمير، أو بتشجيع الآخرين على إهانة الأمير وعصيانه وعموما يدخل في الإهانة كل ما فيه انتقاص لقدر الأمير وتجريحه. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمير وإن كان عبدا حبشيا رأسه زبيبة أو مجدع الأطراف. فمن أقدم على إهانة الأمير فقد تعرض لإهانة الله له في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالعذاب والحرمان.
(1) - الأموال لابن زنجويه (1/ 85) (49) والمعجم الكبير للطبراني (20/ 37) (55) صحيح
(2) - شعب الإيمان (9/ 479) (6988) حسن لغيره