والفتنة، ووسائل الدعاية الحديثة، لتشويه أهدافها، وتمزيق أوصالها .. يبقى هذا التوجيه القرآني حاضرا يجلو لأبصارها طبيعة هذه الدعوة، وطبيعة طريقها. وطبيعة أعدائها الراصدين لها في الطريق. ويبث في قلبها الطمأنينة لكل ما تلقاه من وعد الله ذاك فتعرف حين تتناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوي حولها بالدعاية، وحين يصيبها الابتلاء والفتنة .. أنها سائرة في الطريق، وأنها ترى معالم الطريق! ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى والفتنة والادعاء الباطل عليها وإسماعها ما يكره وما يؤذي .. تستبشر بهذا كله، لأنها تستيقن منه أنها ماضية في الطريق التي وصفها الله لها من قبل. وتستيقن أن الصبر والتقوى هما زاد الطريق. ويبطل عندها الكيد والبلبلة ويصغر عندها الابتلاء والأذى وتمضي في طريقها الموعود، إلى الأمل المنشود .. في صبر وفي تقوى .. وفي عزم أكيد .. [1]
وقال تعالى: {أحسب النّاس أن يتْركوا أن يقولوا آمنّا وهمْ لا يفْتنون (2) ولقدْ فتنّا الّذين من قبْلهمْ فليعْلمنّ اللّه الّذين صدقوا وليعْلمنّ الْكاذبين} (3) سورة العنكبوت
هلْ ظنّ النّاس أنْ نتْركهمْ وشأْنهمْ بمجرّد نطْقهمْ بالشّهادتيْن، وقوْلهمْ آمنّا بالله ورسوله، دون أنْ يبْتليهم الله، ويخْتبر صدْق إيمانهمْ: بالهجْرة، والتّكاليف الدّينْية الأخرى، والجهاد، والمصائب؟ كلاّ، فإنّ الله سبْحانه وتعالى لا بدّ منْ أنْ يبْتلي عباده المؤْمنين، بحسب ما عنْدهمْ منْ إيمانٍ ..
ولقد امتحن الله المؤمنين السّالفين، وعرّضهمْ للفتْنة والاخْتبار، وغايته سبحانه وتعالى منْ هذا الابتلاء والاخْتبار هي أنْ يمحّصهم فيعْلم الذين صدقوا في دعوى الإيمان، ممّنْ همْ كاذبون في دعواهم، وليجازي كلاّ بما يسْتحقّه [2] .
فى هذه الآيات التي بدئت بها السورة، تقرير لما ختمت به سورة «القصص» قبلها، وهو أن الإيمان بالله، ليس مجرّد كلمة ينطق بها اللسان، وإنما هو عقيدة تسكن القلب، وعمل
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:856)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3224، بترقيم الشاملة آليا)