شيء إلا الله .. لا قوة إلا قوته .. لا حول إلا حوله .. لا إرادة إلا إرادته .. لا ملجأ إلا إليه .. وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح ..
والنص القرآني هنا يصل بالنفس إلى هذه النقطة على الأفق: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» .. إنا لله .. كلنا .. كل ما فينا .. كل كياننا وذاتيتنا .. لله .. وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير .. التسليم .. التسليم المطلق .. تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجها لوجه بالحقيقة الوحيدة، وبالتصور الصحيح. هؤلاء هم الصابرون .. الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل .. وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» .. صلوات من ربهم .. يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه .. وهو مقام كريم .. ورحمة .. وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون .. وكل أمر من هذه هائل عظيم [1] .
قال تعالى: {لتبْلونّ في أمْوالكمْ وأنفسكمْ ولتسْمعنّ من الّذين أوتواْ الْكتاب من قبْلكمْ ومن الّذين أشْركواْ أذًى كثيرًا وإن تصْبرواْ وتتّقواْ فإنّ ذلك منْ عزْم الأمور} (186) سورة آل عمران
يسلّي الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم،ويقول له: إنّه وأصْحابه سيلْقوْن من الكفْار أذًى كثيرًا في النّفْس والمال، كما لقوه منْهمْ منْ أذًى يوْم أحدٍ، وعلى المؤْمنين أنْ يوطّنوا أنْفسهمْ عليْه، إذْ لا بدّ منْ أنْ يبْتلي الله المؤْمن في شيءٍ منْ ماله، أوْ نفْسه أو ولده أوْ أهْله ... وابْتلاء المؤْمن يكون على قدْر دينه، فإنْ كان فيه صلابةٌ في دينه زيد في بلائه. ونبّه الله تعالى رسوله الكريم والمؤْمنين عنْد مقْدمهمْ إلى المدينة (وقبْل وقْعة بدْرٍ) إلى أنّهمْ سيسْمعون من اليهود ومن المشْركين أذًى كثيرًا: من التّقوّل والإرْجاف، ونقْض العهود وبثّ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:357)