صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ مَنْ جَاءَنَا بِأَمَانٍ، فَخَانَنَا، كَانَ نَاقِضًا لأَِمَانِهِ لِمُنَافَاةِ الْخِيَانَةِ لَهُ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ [1] .
ل - مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رُجُوعِ الْمُسْتَأْمِنِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ:
ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ - وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّ مَنْ دَخَل دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَوْطِنًا، بَقِيَ الأَْمَانُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ بَطَل فِي نَفْسِهِ. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: لأَِنَّهُ بِدُخُولِهِ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ ثَبَتَ الأَْمَانُ لِمَالِهِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ، فَإِذَا بَطَل فِي نَفْسِهِ بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ بَقِيَ فِي مَالِهِ، لاِخْتِصَاصِ الْمُبْطِل بِنَفْسِهِ، فَيَخْتَصُّ الْبُطْلاَنُ بِهِ.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْحَدَّادِ: لِلْمُسْتَأْمِنِ أَنْ يَدْخُل دَارَ الإِْسْلاَمِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ أَمَانٍ لِتَحْصِيل ذَلِكَ الْمَال، وَالدُّخُول لِلْمَال يُؤَمِّنُهُ كَالدُّخُول لِرِسَالَةٍ، وَسَمَاعِ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعَجِّل فِي تَحْصِيل غَرَضِهِ، وَكَذَا لاَ يُكَرِّرُ الْعَوْدَ لأَِخْذِ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَال فِي كُل مَرَّةٍ، فَإِنْ خَالَفَ تَعَرَّضَ لِلْقَتْل وَالأَْسْرِ، وَقَال غَيْرُ ابْنِ الْحَدَّادِ: لَيْسَ لَهُ الدُّخُول، لأَِنَّ ثُبُوتَ الأَْمَانِ فِي الْمَال لاَ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي النَّفْسِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الأَْمَانِ فِي مَالِهِ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَهُ صَاحِبُهُ بُعِثَ إِلَيْهِ.
وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا صَحَّ تَصَرُّفُهُ.
وَإِنْ مَاتَ فِي دَارِ الْحَرْبِ انْتَقَل إِلَى وَارِثِهِ مَعَ بَقَاءِ الأَْمَانِ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ مِنَ الرَّهْنِ وَالشُّفْعَةِ، وَبِهِ قَال الْحَنَفِيَّةُ كَمَا يَأْتِي.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ: يَبْطُل الأَْمَانُ فِي الْحَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ قَدْ صَارَ لِوَارِثِهِ، وَلَمْ يَعْقِدْ فِيهِ أَمَانًا، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُل فِيهِ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلأَِنَّ الأَْمَانَ يَثْبُتُ فِي الْمَال تَبَعًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، صَارَ فَيْئًا كَمَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
(1) - كشاف القناع 3/ 108.