فَهَذَا عُمُومٌ مِنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَسْتَبْقِ مِنْهُمْ عَسِيفًا، وَلَا تَاجِرًا، وَلَا فَلَّاحًا، وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا، وَهَذَا إجْمَاعٌ صَحِيحٌ مِنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُتَيَقَّنٌ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْفَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا.
وعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ: أَنْ لَا يَجْلِبُوا إلَيْنَا مِنْ الْعُلُوجِ أَحَدًا، اُقْتُلُوهُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا مِنْ جَرَتْ عَلَيْهِمْ الْمُوَاسِي وَلَا تَقْتُلُوا صَبِيًّا، وَلَا امْرَأَةً.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى الْأَجْنَادِ: لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَأَنْ يَقْتُلُوا كُلَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوَاسِي.
فَهَذَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْخًا، وَلَا رَاهِبًا، وَلَا عَسِيفًا، وَلَا أَحَدًا إلَّا النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ فَقَطْ؛ وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ - وَقَدْ قُتِلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ وَهُوَ شَيْخٌ هَرِمٌ قَدْ اهْتَزَّ عَقْلُهُ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ ذَا رَأْيٍ؟ فَقُلْنَا لَهُمْ: وَمَنْ ذَا الَّذِي قَسَّمَ لَكُمْ ذَا الرَّأْيَ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا سَمْعًا لَهُ وَلَا طَاعَةً - وَمِثْلُ هَذِهِ التَّقَاسِيمِ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - نَتَأَيَّدُ. [1]
وقال الباجي:"قَوْلُهُ نَهَى الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ يُرِيدُ حِينَ أَنْفَذَهُمْ لِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ وَنَهْيُهُ هَذَا عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ أَصْلٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَسَيَرِدُ بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرًا وَقَوْلُهُ بَرِحَتْ بِنَا يُرِيدُ أَظْهَرَتْ أَمْرَنَا بِصِيَاحِهَا فَكَانَ يَمْنَعُهُ قَتْلَهَا إذَا رَفَعَ عَلَيْهَا السَّيْفَ مَا يَذْكُرُ مِنْ نَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَوْلَا مَا يَذْكُرُهُ مِنْ ذَلِكَ النَّهْيِ لَقَتَلَهَا فَاسْتَرَاحُوا مِنْهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ أَجْرَى نَهْيَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُمُومِهِ فِي سَائِرِ الْحَالَاتِ وَلَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى الْقَصْدِ إلَى ذَلِكَ دُونَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إذَا جَرَى مِنْهَا مِثْلُ هَذَا مِنْ الْإِنْذَارِ بِالصِّيَاحِ."
(1) - المحلى بالآثار (5/ 347) (926 - 928)