وهو الشعور الكاذب الذي يحسه الطغاة. الشعور بأنه لم تعد هناك قوة تقف إلى قوتهم. وينسون: «أولمْ يروْا أنّ اللّه الّذي خلقهمْ هو أشدّ منْهمْ قوّةً؟» .. إنها بديهة أولية .. إن الذي خلقهم من الأصل أشد منهم قوة. لأنه هو الذي مكن لهم في هذا القدر المحدود من القوة. ولكن الطغاة لا يذكرون: «وكانوا بآياتنا يجْحدون» ..
وبينما هم في هذا المشهد يعرضون عضلاتهم! ويتباهون بقوتهم. إذا المشهد التالي في الآية التالية هو المصرع المناسب لهذا العجب المرذول: «فأرْسلْنا عليْهمْ ريحًا صرْصرًا في أيّامٍ نحساتٍ. لنذيقهمْ عذاب الْخزْي في الْحياة الدّنْيا» ..
إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم. وإنه الخزي في الحياة الدنيا. الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد .. ذلك في الدنيا .. وليسوا بمتروكين في الآخرة: «ولعذاب الْآخرة أخْزى. وهمْ لا ينْصرون» .. «وأمّا ثمود فهديْناهمْ فاسْتحبّوا الْعمى على الْهدى» ..
ويظهر أن هذه إشارة إلى اهتدائهم بعد آية الناقة، ثم ردتهم وكفرهم بعد ذلك. وإيثارهم العمى على الهدى. والضلال بعد الهدى عمى أشد العمى! «فأخذتْهمْ صاعقة الْعذاب الْهون بما كانوا يكْسبون» .
والهوان أنسب عاقبة. فليس هو العذاب فحسب، وليس هو الهلاك فحسب. ولكنه كذلك الهوان جزاء على العمى بعد الإيمان. «ونجّيْنا الّذين آمنوا وكانوا يتّقون» ..
وتنتهي الجولة على مصرع عاد وثمود. والإنذار بهذا المصرع المخيف المرهوب. ويتكشف لهم سلطان اللّه الذي لا ترده قوة ولا يعصم منه حصن، ولا يبقي على مستكبر مريد. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {بئْسما اشْتروْاْ به أنفسهمْ أن يكْفرواْ بما أنزل اللّه بغْيًا أن ينزّل اللّه من فضْله على من يشاء منْ عباده فبآؤواْ بغضبٍ على غضبٍ وللْكافرين عذابٌ مّهينٌ} (90) سورة البقرة
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3919)