وقدْ نصّ ابْن قدامة على أنّ اسْتحْلال دماء الْمعْصومين وأمْوالهمْ، إنْ جرى بتأْويل الْقرْآن - كما فعل الْخوارج - لمْ يكْفرْ صاحبه [1] .ولعل السّبب أنّ الاسْتحْلال جرى باجْتهادٍ خاطئٍ، فلا يكْفر صاحبه.
وكذلك يعْتبر مرْتدًّا من اعْتقد كذب النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بعْض ما جاء به، ومن اعْتقد حل شيْءٍ مجْمعٍ على تحْريمه، كالزّنا وشرْب الْخمْر، أوْ أنْكر أمْرًا معْلومًا من الدّين بالضّرورة [2] .
حكْم سبّ اللّه تعالى:
اتّفق الْفقهاء على أنّ منْ سبّ اللّه تعالى كفر، سواءٌ كان مازحًا أوْ جادًّا أوْ مسْتهْزئًا [3] .
وقدْ قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } [التوبة] .
فذهب الْحنفيّة [4] والْحنابلة إلى قبولها [5] ،وهو الرّاجح عنْد الْمالكيّة [6] .
ولمْ نجدْ للشّافعيّة تفْرقةً بيْن الرّدّة بذلك وبيْن الرّدّة بغيْره.
حكْم سبّ الرّسول صلى الله عليه وسلم:
السّبّ هو الْكلام الّذي يقْصد به الانْتقاد والاسْتخْفاف، وهو ما يفْهم منْه السّبّ في عقول النّاس، على اخْتلاف اعْتقاداتهمْ، كاللّعْن والتّقْبيح [7] .
وحكْم سابّه صلى الله عليه وسلم أنّه مرْتدٌّ بلا خلافٍ [8] .
(1) - المغني 8/ 548.
(2) - ابن عابدين 4/ 223، 224، 230، والمغني 8/ 548، والإقناع 4/ 297، وفتاوى السبكي 2/ 577.
(3) - نيل الأوطار 8/ 194 - 195، والسيف المشهور ورقة (2) ، والمغني 8/ 565، والفروع 2/ 160، والخرشي 8/ 74، والصارم المسلول ص 550، والشروط العمرية ص 141.
(4) - ابن عابدين 4/ 232.
(5) - المغني 8/ 565، والصارم المسلول ص 550،ونقل ابن مفلح قبول التوبة بشرط أن لا تتكرر منه ثلاثًا (الفروع 2/ 160) .
(6) - الخرشي 8/ 74.
(7) - الصارم المسلول ص 556.
(8) - ابن عابدين 4/ 232 - 237، وفتاوى السبكي 2/ 573، والسيف المسلول 4 - 11، 79، والشروط العمرية ص 214، والشامل 2/ 171.