الإْكْراه: اسْمٌ لفعْلٍ يفْعله الْمرْء بغيْره، فينْتفي به رضاه، أوْ يفْسد به اخْتياره، منْ غيْر أنْ تنْعدم به أهْليّته، أوْ يسْقط عنْه الْخطاب [1] .
والإْكْراه نوْعان: نوْعٌ يوجب الإْلْجاء والاضْطرار طبْعًا، كالإْكْراه بالْقتْل أو الْقطْع أو الضّرْب الّذي يخاف فيه تلف النّفْس أو الْعضْو، قل الضّرْب أوْ كثر. وهذا النّوْع يسمّى إكْراهًا تامًّا.
ونوْعٌ لا يوجب الإْلْجاء والاضْطرار، وهو الْحبْس أو الْقيْد أو الضّرْب الّذي لا يخاف منْه التّلف، وهذا النّوْع من الإْكْراه يسمّى إكْراهًا ناقصًا [2] .
واتّفق الْفقهاء على أنّ منْ أكْره على الْكفْر فأتى بكلمة الْكفْر، لمْ يصرْ كافرًا لقوْله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106] .
يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الذِي كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالكُفْرِ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباًَ أَلِيمًا فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، لأَنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإيمَانِ لأَجْلِ الدُّنْيا، وَلأَنَّهُ عَلِمَ بِالإِيمَانِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ.
وَيَسْتَثْنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ المَصِيرِ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلاَمِ بِلِسَانِهِ، وَوَافَقَ المُشْرِكِينَ بِلَفْظِهِ مُكْرَهًا، لِمَا نَالَهُ مِنْ أَذًى، وَبَقِيَ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. فَمِثْلُ هَذا المُكْرَهِ يُمْكِنُ أَنْ يَغْفِرُ اللهُ لَهُ، إِذَا عَلِمَ صِدْقَ نِيَّتِهِ. [3]
فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَا وَرَاءَكَ؟"قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللهِ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نُلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ
(1) - المبسوط 24/ 38، البدائع 7/ 175، ومرآة الأصول ص 359.
(2) - البدائع 7/ 170، المجلة (المادة 949) .
(3) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2007، بترقيم الشاملة آليا)