وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان، وأحس بكرامته على اللّه، وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم. ويمشي في الأرض بسلطان اللّه في قلبه ونور اللّه في كيانه ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه .. وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه، ويطرد من الكنف، وتوصد دونه الأبواب. لا بل إن الحياة لتغدو جحيما لا يطاق عند من يتصل بربه ثم يطبق دونه الحجاب.
إن الإيمان هبة ضخمة، لا يعد لها في هذا الوجود شيء والحياة رخيصة، والمال زهيد زهيد، حين يوضع الإيمان في كفة، ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه ..
ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن، وهو يتلقاه من اللّه .. [1]
ـــــــــــ
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح:16]
قلْ يا محمّد لهؤلاء الأعْراب، الذين تخلّفوا عنْ صحْبتك إلى الحديْبية: إنّكمْ ستدعوْن إلى قتال قوْمٍ أولي قوّةٍ ونجْدةٍ وبأْسٍ، وإنّ عليْكمْ أنْ تخيّروهمْ بيْن أمْرين: إمّا السّيف وإمّا الإسْلام - وهذا حكْمٌ عامٌّ في مشْركي العرب والمرْتدّين - فإذا أطعْتمْ أمر الله ورسوله وخرجْتمْ إلى مجاهدة هؤلاء، فإنّ الله سيثيبكمْ على ذلك ثوابًا جزيلًا فتنالون المغْنم في الدّنيا، والجنّة في الآخرة. أمّا إذا رفضْتم الخروج إليهم، والمبادرة إلى مجاهدتهمْ، وعصْيتمْ أمْر الله ورسوله، كما فعلْتمْ منْ قبْل، حين قعدْتمْ عن الخروج إلى الحديْبية، فإنّ الله سيعذّبكمْ عذابًا أليمًا في الدّنيا والآخرة. [2]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} [البقرة:80] يَا مُحَمَّدُ {لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ} [الفتح:16] عَنِ [ص:266] الْمَسِيرِ مَعَكَ، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى} [الفتح:16]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4118)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4478، بترقيم الشاملة آليا)