خَاصَمَ فَجَرَ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا" [1] ،وَقَال سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَهْدٌ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ، حَتَّى إِذَا انْقَضَى العَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ عَلَى فَرَسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا، وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» ،قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ [2] ."
وَلاَ بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ مُدَّةِ بُلُوغِ الْخَبَرِ إِلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَكْتَفِي مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً يَتَمَكَّنُ رَئِيسُهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّبْذِ مِنْ إِنْفَاذِ الْخَبَرِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الْغَدْرُ. فَإِنْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ أَوْ تَفَرَّقُوا، أَوْ خَرَّبُوا حُصُونَهُمُ اتِّكَالًا عَلَى الأَْمَانِ فَحَتَّى يَعُودُوا كُلُّهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ وَيُعَمِّرُوا حُصُونَهُمْ مِثْل مَا كَانَتْ تَوَقِّيًا مِنَ الْغَدْرِ. وَالْمُرَادُ بِالنَّبْذِ إِعْلاَنُهُمْ نَقْضَ الْعَهْدِ. وَيَكُونُ النَّبْذُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ الأَْمَانُ، فَإِنْ كَانَ مُنْتَشِرًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ النَّبْذُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ بِأَنْ أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ سِرًّا يُكْتَفَى بِنَبْذِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ [3] .
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِذَا تَمَّ عَقْدُ الْهُدْنَةِ مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ أَمِنَ الْمُوَادِعُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، وَوَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ وَعَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ - إِذَا مَاتَ أَوْ عُزِل - حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ أَذَى أَهْل الذِّمَّةِ الْمُقِيمِينَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ لأَِنَّهُ أَمَّنَهُمْ مِمَّا هُوَ تَحْتَ حُكْمِهِ وَفِي قَبْضَتِهِ وَفَاءً بِالْعَهْدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] ،وَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
(1) - صحيح البخاري (4/ 102) (3178) [ش (خلال) جمع خلة وهي الخصلة والصفة]
(2) - سنن الترمذي ت شاكر (4/ 143) (1580) صحيح
(3) - الْبَدَائِع 7/ 109، والبحر الرَّائِق 5/ 86، وفتح الْقَدِير 5/ 457، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ 3/ 67 - 68.